أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | على طاولة الرئاسة: أي أنموذج لتفصيل جبة التصحيح ؟

على طاولة الرئاسة: أي أنموذج لتفصيل جبة التصحيح ؟

لا شك أن من صاغوا الفصل 80 من الدستور التونسي والمتمسكين بالتأويل الضيق لهرم القوانين في هذا الباب ، لم يدر بخلدهم أن جبة التدابير

تتسع بإتساع المخاطر الّتي يكون لرئيس الجمهورية المباشر تقديرها و تحديد مأتاها و البت في أسباب زوالها ، لذلك لم يتقبل معارضو تمشي قيس سعيد تفعيل الفصل «الخطير» ، رغم أن الأمر يتعلّق بتجنب بقاء الدولة في حالة تفكك، وتجنيب بعض مؤسساتها وفي طليعتها مجلس نواب الشعب حالة التناحر المؤدي إلى فشل الحركة ، أو بتغييب بعض المؤسسات الدستورية وفي مقدمتها المحكمة الدستورية ، أو بدوام الفساد في مفاصل المجتمع السياسي.
كما قد يكون رئيس الجمهورية نفسه هو الذي فعّل هذا الفصل الإستثنائي في 25 جويلية 2021 ، غير عارف بتفاصيل مقتضيات إزالة المخاطر و مخرجاتها العملية لإنهاء الحالة الإستثنائية ، الّتي ستكون لطولها تبعات لا تطمئن في الدّاخل أو في الخارج . خاصة بعد أن كانت البلاد في ظرف عمّ فيه تململ وغضب أوسع الفئات ،بسبب تعمد حركة النهضة تعفين الأوضاع و تماديها في التغوّل بدعم مؤيديها وتواطؤ شركائها مستغلّة أغلبية شكلتها بالضغوط و المساومات و الترضيات كي توظف البرلمان لخدمة مصالحها الخاصة في التشريع و ممارسة السلطة بواسطة رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي، الّذي أدار ظهره إلى من منحه الثقة واعتبره – خطأ – الشخص الأقدر.
و لكن بعد صدور القرارات المعلن عنها في شكل مراسيم 25 في جويلية 2021 و ما بعده و إعفاء المشيشي من رئاسة الحكومة بمعية بعض الوزراء والمستشارين برئاسة الحكومة ووكيل الدولة العام للقضاء العسكرى و مدير العام المصالح المختصة والرئيس المدير العام للتلفزة الوطنية وعدد من الولاة والمكلفين بمأموريات من مسؤولياتهم (حوالي31 إعفاء )و تكليف عدد من الشخصيات بمهام تسيير بوزارات الداخلية والدفاع و الصحة والإقتصاد والمالية وتسمية عدد من المستشارين برئاسة الجمهورية، بعد كل هذا ظلّ الرأي العام في الداخل وفي الخارج، ينتظر الإعلان عن التدابيراللاّحقة لكيفية «تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال «بعد أن وضع رئيس الدولة كافة السلط تحت رقابته المباشرة ،بحيث سيكون متحمّلا لمسؤولية كبرى تضع مستقبله السياسي في الميزان.
لا شك أنه من التدابير المننظرة ، تسمية شخصية على رأس الحكومة لا يتسرب أي شك في وطنيتها و كفاءتها ونزاهتها،- الخطأ ممنوع – و اتخاذ قرار بخصوص تعليق إختصاصات و نشاط مجلس نواب الشعب ورفع الحصانة عن نوابه واللّذين صدر بشأنهما الأمر الرئاسي عدد 80 لسنة 2021 و هما تدبيران تم تحديد مدتهما بشهر قابل للتمديد ، بموجبهما ستتضح ملامح خارطة الطريق الّتي سيعتمدها الرئيس قيس سعيد في المرحلة الإستثنائية الّتي دخلت فيها تونس.
بخصوص تجميد نشاط مجلس النواب ورفع الحصانة عن النواب، من المنتظر أن يقع التمديد قي هذا الأجل و هو تمديد غير محدّد بعدد معيّن ، و هو ما يعني أن رئاسة الجمهورية ستبحث عن إجراء يستوعب الخطوات المزمع اتباعها في هذا الشأن لتجنب رجوع مجلس نواب الشعب المجمدّة أعماله بالتركيبة القديمة إلى سالف نشاطه ولو أن الأمر غير متوقع لتأكيد رئيس الجمهورية على أن الرجوع إلى الوراء أمر مستحيل ، بإعتبار أن ما كان يحصل في البرلمان كان من مصادر الأخطار الّتي كانت تعيق السير العادي لدواليب الدولة من منظور رئاسة الجمهورية. ولكن حل الإشكال ليس هيّنا لأن معالجة هذه الوضعية تقتضي تحديد المنهجية الّتي لا تمس من كنه التمشي المؤسساتي مع احترام المبادئ الأساسية للديمقراطية المستمدّة من روح الدستور.لذلك تبحث الدوائر الداعمة للرئيس عن مخرج لحل البرلمان من ذلك تفعيل الفصل 163 من القانون الأساسي المتعلّق بالإنتخابات والاستفتاء الّذي يفقد أعضاء القائمة المتمتّعة بالتمويل الأجنبي عضويتهم بمجلس نواب الشعب،و لكن هذا الأمر يقتضي البت في ذلك قضائيا وهو ما يستغرق وقتا طويلا.
أما بخصوص تعيين رئيس الحكومة الّذي يتطلب شيئا من الإستعجال ، فإن هذا الأمر هو محل ضغط زمني لأهميته في سير مختلف مصالح الدولة في الدّاخل، وكذلك مقتضيات التعامل مع الدوائر المالية والديبلوماسية وكذلك الدولية الّتي تقبّلت مخرجات قرارات 25 جويلية 2021 دون أحكام مسبقة في انتظار أن تتضح الرؤيا بخصوص المستقبل.
هذا المستقبل الّذي ينتظر الجميع رسم ملامحه ، للتعرف على الخطوات العملية في تحديد المسار هو أمر يقتضي التمعن وتعميق التشاور الجاد، وهو ما قد يقتضي حسب البعض ، صياغة مدونة جديدة لتنظيم السلط تندرج ضمن التدابير الإستثنائية ،تجنب خرق الدستور، في مسعى للاستجابة إلى انتظارات التونسيين دون خرق القانون .
هذه المسائل الحارقة التي تضاف لها مجابهة جائحة كوفيد19 تُعدُّ في قائمة الألويات الكفيلة بالطمأنة
ورغم أن بوادر مكافحة كوفيد 19 ، بدت واعدة بتكثيف عمليات التلقيح بدعم من الدول الشقيقة والصديقة و بانخراط المجتمع المدني في المجهود المبذول ، إلى أن حملة مقاومة الفساد والمحاسبة بدت غير متوازنة و يخشى أن يؤدي ضغط الشارع و بعض وسائل الإعلام الناقلة للمستجدات بتسرع وأحيانا دون إلمام بالقضايا المطروحة إلى بث ما قد يشكّل ضغطا على القضاء ، و هو ما يقتضي رسم خطط إتصالية لتجنب الإتهامات الجزافية و الخوض في شأن يقتضي الدقة و التحري وتجنب الأحكام المسبقة، حفاظا على حقوق الجميع بما فيها حقوق المشتبه فيهم.
إن الكشف عن ملامح تصحيح المسار والتثبت والتحري في مختلف ملفات الفساد الموصوفة بالفساد ، من شأنه أن ينشر الطمأنينة ويُرجع الثقة في مؤسسات الدولة و في مقدمتها القضاء، وفي إعمال علوية القانون وقيم العدل. هذه المسائل تقتضي إبراز إرادة تجاوز الوضع الإستثنائي بوضوح و شفافية، لقطع الطريق لبث الريبة والتشكيك ، و فتح سبل العمل الجاد لوضع دعائم تصحح مسار هذه الجمهورية، و ربما تكون مؤسسة لجمهورية ثالثة …

(المنجي الغريبي – المغرب)