أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | الملائكة تموت أيضا

الملائكة تموت أيضا

(لم أعد قادرا لا على النوم، ولا على الصمت)

لم يكن في نية جمال “جيمي” أن ينتحل شخصية برومثيوس ويسرق النار المقدسة بأمان، من جبل الأولمب، ويمنحها هدية للبشرية. فالنار كانت قد تحولت إلى قيامة. وكان زوس قد هاج فربط برومثيوس على جبل كوكاز وترك النسر يخترق كبده. لم يكن نصف إله، روحه في كاحله، لا يعرف مكانها إلا من عرف أسرار الأساطير. كان يحمل روحه في كفه المليئة بالرغبة في تلمس آلام الناس وتحسس جراحاتهم، وفي إطفاء النار. عندما سئل:
– ماذا يمكنك أن تفعل بيدين مجردتين؟
– الفنان يطفيء الحرائق بكفه وقلبه وحبه حتى ولو نشبت فيه.
كان صباح مليانة ساحرا في هذا الصيف الحار، جبال زكار المديدة تمنح فجرا ناعما أمام المسافرين.
شرب قهوته بسرعة. وضع لوحته الأخيرة المعشقة بألوان الحياة، التي لم ينته منها، في الزاوية. أخفى قيثارته في الجانب الأيمن من سريره. شرب قهوة ثقيلة، ثم خرج لا يحمل في جرابه الصغير شيئا آخر سوى بعض أدوية الحروق التي اشتراها من أقرب صيدلة، بالمال الذي اسدانه، “إخوتنا في منطقة القبائل ينتظروننا. في مثل هذه الطروف كل الأدوية تنفع”، بعض الأقلام الملونة لرسم الحرائق، عن قرب. صعب ان نشعر بالنار إذا لم نقترب منها، كل فنان هو في النهاية هو فراشة النار. ثم مشى نحو قدر لم يتخيله ولم يتصوره ابدا. هو يعرف جيدا خديعات الحياة لكنه يعرف ايضا أنه سيد المحبة والخير. هو يعرف المنطقة جيدا وقد زارها مرات عديدة في لقاءات متكررة مع أصدقائه إلى الكثير من الأماكن في الجزائر.
وصل منهكان لكنه لم يرتح. عندما التقى بالوجوه التي تشبهه في كل شيء وإن فرقتهم اللغة، شعر بالراحة والغحجاب بشباب لا يملكون اية وسيلة للغطفاء إلا أجادهم الزكية. نفس الأيادي المشقوقة بسبب التعب اليومي والعمل الثقيل لفتح براكين الأرض وتحويلها إلى برد وسلام، ثم الرماد والخيبات التي تملا القلوب نفس الأمل الذي لا يظهر غلا كلما برقت العيون بدمعة.
تماما كما في تراجيديات الأولين. لم يعرف أنه من بين إخوته الذين احتضنوه كان هناك ذئاب تتربص به. راى بعضها لكنه تخلى عن الفكرة لأن الذي قاده غلى المكان لم يكن إلا تقاسم الحزن الجزائري الثقيل الذي اصبح من الصعب تحمله. أحاطوا به وهو بجسده الهش ظل يغطي الناس بمديحه وحبه.
ثم مشى في الصفوف الأولى التي اقتربت من النار. مشى بمحاذاة النار التي كان يهرب منها الناس. هل كان فراشة تريد الاحتراق؟ غام داخل الأدخنة مستجيبا للأصوات التي كانت تأتي من يعيد. وقف يستمع إلى مصدر الصوت لإنقاذه لأن الصرخة كانت جافة ويابسة. كانت الشرطة تبحث عن مضرمي النيران في الغابات. لمحوه ملتصقا بشجرة يستمع غلى أعماقه. لم يسالوه، وضعوه داخل سيارة الشرطة مع الدعاية بأن الشرطة ألقت القبض على أحد مضرمي النار. التهبت لاربعا ناثيراثن، وهي تصرخ المجرم. المجرم. المجرم. حاول أن يشرح للشرطي أنه مصور ومغنّ وأنهم على خطأ. لكن العقل وقتها كان تحجر. كان العمى سيد اللحظة. وانطلقت السيارة وسط الادخنة والرماد وشعلات النار، نحو الكوميسارية.

اسمي جمال بن إسماعيل، أصدقائي الأقرب ينادونني “جيمي”. جسدي هش لكنه مقاوم، ولا يستسلم بسهولة.
لست غنيا إلا بما أقوم به تجاه الناس المحتاجين إليّ. لهذا اخترت العمل التطوعي في النهاية نحن نعيش بالكفاف وسعداء. أمي كانت خائفة عليّ من هذه السفرة. قلب الأم تخبره الملائكة. قبّلت رأسها واقنعتها أنها ليست المرة الأولى. أنا ذاهب نحو إخوة ينتظرونني هناك. لقد جمعت قدرا من المال من أصدقائي وأقربائي، وناس الخير، ولا بد أن أوصله إلى من ينتظرونني في منطقة الأربعاء ناث ثيراثن. يجب أن يصل المبلغ مقفلا لا ينقص منه مليم واحد، لهذا قمت على السادسة صباحا. كان هواء مليانة وجبال زكار الشامخة ناعما.

القصة وما فيها تشبه التراجيدية اليونانية.
فقد ضبطني بعض السكان والشرطة وأنا أتسلل بين الأشجار الملتهبة باتجاه الصوت النسوي الذي كلما اقتربت منه، سمعته أكثر. كان يطلب النجدة. كنت أحاول أن أخاتل النار لأصل إلى من كان ينادي وفمه ممتلئ بالرماد والدخان. فجأة قبضت عليَّ من ظهري، يد خشنة ثم صارت أياد، اقتادتني نحو الفرغونيت سيارة الشرطة، ورميت في بوكس السجناء، وأغلق علي بالمفاتيح الخشنة. لم اسمع إلا صريرها ليبدأ البياض.
والسيارة تهتز كانت تنتابني بعض الضحكات الخاطفة. مساكين هؤلاء الشرطة، سيضطرون إلى الاعتذار، عندما أظهر لهم أوراقي الثبوتية، وسيشهد لصالحي، أصدقائي الذين كانوا معي في الغابة وتراجعوا من شدة الحرارة.
سيعتذرون وسأغفر لهم خطأهم الفادح. ويتحول إلقاء القبض عليّ متلبسا إلى نكتة، سنقصها للأصدقاء: عاشق للطبيعة رسما وغناء يحرق غابات تيزي وبجاية. عنوان جميل للجرائد.
كانت هزات الطريق ثقيلة، كان رأسي يصطدم من حين لآخر بسقف بوكس سيارة الشرطة المتجهة نحو الكوميسارية. لم أفهم جيدا تلك الوضعية الغريبة؟ عندما وصلنا، كان سيل من البشر يتكاثرون بسرعة في ساحة الكوميسارية. كانوا يصرخون لكني كنت أعرف أنهم سيهدؤون بمجرد أن يسمعوني برفقة أصدقائي الذين لمحتُ بعضهم في الساحة مما أراحني. سيسكتون بحكمتهم هذه الأمواج البشرية التي كانت تصلني بعض صراخاتها غير واضحة، وبن أضطر إلى الشرح الطويل والدفاع عن نفسي.
حاول الشرطيان أن يبعدوا الحضور الذين كانوا يريدون اقتحام السيارة. بعض الحاضرين كانوا كبيري السن، يحاولون أن يفعلوا نفس الشيء.
بدأت السيارة تهتز بعنف كبير. ومع ذلك كنت على يقين من أنهم سيتوقفون بمجرد معرفة الحقيقة.
فجأة انتابني بعض الخوف. بعض أصدقائي كانوا يصرخون أيضا. الباقي احتلوا السيارة كلها. لكن الدخول إلى البوكس صعب. يوضع فيه عادة المجرمون المقبوض عليهم. القتلة الخطيرون. مستهلكو المخدرات. صعب اختراقه أو كسره.
هل يعقل أن تصبح مجرما وانت قد قطعت المسافات بالأتوستوب لتصل إلى أحبابك الذي جئت تقاسمهم الآلام. لم أخف من العدد، لكني خفت من عدم وصول صوتي إليهم وأن يمر كل شيء بسرعة.
لم يكن الحريق مخيفا بقدر حرائق الضغينة المتخفية تحت أثقال الخيبات والانكسارات والأوهام.
فجأة غاب الشرطيان أو الثلاثة. بحثت بعينين مهزومتين عمّن أعرفهم. لم أر إلا وجوها مفتوحة عن آخرها، بأنياب حادة وروائح كريهة. تكاثر الضرب على البوكس. كنت جالسا بهدوء، عاري الظهر بسبب الحرارة والنار. أغمضت عيني وحاولت أن أرى الشمس التي انحرفت عن مسارها قبل أن يغطيها الدخان نهائيا. زاد الدق العنيف على القطع الحديدية السميكة للبوكس. حاولت أن أقوم من مكاني، لكني لم أستطع. كم كنت وحيدا. تذكرت لوحتي التي لم أنته منها. أعرف أن الضرب المجنون على جسدي سيكون قاسيا لكني سأحاول أن أحفظ رأسي وأصابعي حتى لا يقع لي ما وقع لفكتور غارا الذي قص زبانية بينوشي أصابعه لكيلا يعزف على القيثارة. على كل ليسوا بهذا الجنون. حتى ولو كان الصارخون كثر، هناك حكماء رأيتهم يفرقون الناس قبل أن تخفيهم الموجة البشرية.
حتى تلك اللحظة لم أفقد الأمل. لقد رآني الكثيرون على قناة الأوراس التي لا أحبها، وأنا أتحدث عن الرحلة التي قمت بها للمشاركة في إطفاء النار.
اهتزت السيارة بعنف كأنه زلزال. لا أدري ماذا حدث لي؟ منذ تلك اللحظة لم أر بشرا ولكن ذئابا تصعد فوق بعضها البعض للوصول إليّ. سمعت كلاما غامضا يشبه الاتفاق على حرقي. زاد خوفي. تجمدت في مكاني. عندما حاولت أن أقوم قليلا، لم أستطع. فجأة فتح الباب بدون عنف وكأنهم تحصلوا على المفتاح؟ مع أن البوكس كان مغلقا. دخل شخصان بعيون فارغة ومظلمة. تمتمت:
– اسمع يا خويا أنا جيمي، فنان، من مليانة و… وضع ذراعه الثقيلة ورائي، ثم دفع بي هو وصديقه
إلى الأمام. أخرجني ثم أغلق باب البوكس ورائي. وجدتني واقفا أمام ذئب طويل. في يده قطعة حادة طويلة، حاولت أن أنبهه لما كان بصدد فعله، لكنه كان قد السكينة كلها في خصري الأيسر، حتى مست العظم. كانت الضربة مؤلمة ولم أتمالك من الصراخ. الثانية مرت كجرح صغير، الثالثة والرابعة التي كانت تأتي من كل الجهات، لم أعد أحس بها إلا قليلا كتمزقات متتالية في جسد ميت، ثم رموا بي لبقية الذئاب التي كانت ترقص رقصة الموت.
كان الضرب يأتي من كل الجهات.
انتهى كل شيء.
سحلني شايان في الطريق بشكل هستيري.
كنت بعيدا. أتاملهم من فوق وهم يضعون جسدا لم يكن لي، على الجمر والحطب، ويشعلون النار فيه ويكبون عليه المواد الحارقة، ربما هي نفسها التي أحرقوا بها الغابات.
كان الجسد يشعل ويتحول إلى وقود لشيء غامض.
انتابتني لحظتها، قصيدة مهذل الصقور، يؤديها شاب أحببته لأنه يشبهنا، دون أن أعرف اسمه؟

غمرتني موجة حزن قاسية. لم أكن أريد الشهادة في هذا العمر، كنت أريد فقط أن أستمر في الحياة من أجل أمي والصغار المشردين الذين كنت أعلمهم الكتابة والقراءة. إن أعود إلى لوحتي الربيعية التي تركتها معلقة ولم أنهها. قيثارتي التي ستصبح يتيمة بدوني.
كانوا ما يزالون ينكلون برماد الجسد، أغمضت عيني وتمتمت قبل أن أغيب في الأبدية
»اغْفِرْ لَهُمْ، يا إلهي، فهمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ».

(واسيني الأعرج – منشور على فيسبوك)