أخر الأخبار
الرئيسية | أخر الأخبار | هل يمكن صياغة أنثروبولوجيا عربية؟

هل يمكن صياغة أنثروبولوجيا عربية؟

ما معالم “الأنثروبولوجيا العربية” التي يؤسس لها عبد الله حمودي، عالم الأنثروبولوجيا المغربي والأستاذ في جامعة برينستون الأمريكية؟ وما آفاقها؟ حول هذين السؤالين، اجتمع باحثون في ندوة دعا إليها الباحث والإعلامي سعيد السالمي، هم: محمد الشرقاوي، ورحال بوبريك، وأمينة مكاوي، ومحمد إبراهيمي، وخالد مونة.

وحول كتاب حمودي الصادر منذ أزيد من سنتين بعنوان “المسافة والتحليل.. في صياغة أنثروبولوجيا عربية”، قال مؤلفه إنه: “اقتراح بحججه وخلفياته النظرية والمنهجية، ومشروع لا يمكن أن أقوم به وحدي؛ بل اقتراح إذا قبلته المغربيات وقبله المغاربة، والأنثروبولوجيات العربيات والأنثروبولوجيون العرب، ومن بلدان أخرى، فليشاركوا فيه، وليغيروه، لكنه مشروع طويل النفس – في كتاب أوليّ أولٍ – ولا يمكن لباحث لوحده القيام به”.

وإذا كان إدراك معنى ثاني مفاهيم العنوان الرئيسِ يسيرا، “التحليل”، فإن أول المفهومين يتطلب شرحا قال حمودي فيه: “(…) كيف تدير عينك لترى الأشياء اللصيقة بك؟ وهذا من أدوات بناء المسافة، ولهذا عنوان الكتاب “المسافة والتحليل”. وهذه الوظيفة لا توجد في الإثنوغرافيا فقط بل في السينما والمسرح والأدب وغيرها. ومن وسائل بناء المسافة، التصوير وإعادة النظر في المصوَّر، والاهتمام بالتاريخ وماضي المجتمع، والاهتمام بالمجتمعات الأخرى وفي طليعتها المجتمع الذي استعمرَنا، الغرب، مع واجب التمكن من تنظيماته والركوب عليها والنظر إلى مجتمعاتنا، وتعلم اللغات والترجمة الدائمة، التي هي خروج من لغة إلى أخرى ومن عالم إلى آخر”.

وكما في ردود سابقة لحمودي حول علاقة الأنثروبولوجي بقبيلتِه، دافع المتحدث عن “الوساطة”، التي يجب أن ينهض بها “الباحث المنتمي”، ويعمل على أن يصير “الوضع المضطرب بين الحميمية القصوى والابتعاد والمسافة”، موقعا “مُنتِجا”.

هذه الفكرة تفهم في إطار تجربة حمودي، الذي عاد إلى بداياته البحثية عندما تخرّج في وقت كانت فيه الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا (علمين) منبوذين تماما في أواخر الستينيات من القرن الماضي؛ “لكن خضت المغامرة”، تابع حمودي، مثل “مغامرة الأنثروبولوجيا العربية، الآن، التي هي تجربة بمصاعبها، ومفتوحة طبعا للنقاش والتفنيد”.

هذا النبذ كان في زمن ما بعد الاستقلالات السياسية، وزخم “أطروحة نزع الاستعمار عن المعرفة” (Decolonization of knowledge) في السبعينيات، التي كان من بين من نادى بها “أناس أحترمهم مثل الخطيبي والعروي، أو ساحلي في ميدان التاريخ بالجزائر”، قال حمودي. الذي سجل أن تأكيده على “خطأ” الإعراض عن الخزانة البحثية الاستعمارية لا ينفي كون “الإثنوغرافيا ميدانا كولونياليا (…) وارتباط الأنثروبولوجيا بالهيمنة الاستعمارية والنظرة التحقيرية لمجتمعاتنا ومجتمعات أخرى”.

وزاد الباحث: “كانت الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا من المحرمات في الثقافة البحثية والجامعية؛ لكن تبينت لي الحاجة إلى استعمالهما، وكنت أقرأ الخزانة الأنثروبولوجية الرهيبة حول العالم، وتضيء لي أمورا حول واحة درعة”، و”ما الذي كان على الباحث المغربي أن يقوم به آنذاك؟ طبعا كان التفكير في البديل حدسيا، وصار يتبلور”؛ لكن الفكرة التي كان يحملها الأنثروبولوجي الشاب هي “عدم معقولية الاستغناء عن الرصيد الأنثروبولوجي الاستعماري”.

هذا الحدس تبلور أكثر في الممارسة الميدانية، حيث اكتشف حمودي “محدودية المناهج الكلاسيكية الديموغرافية والسوسيولوجية، ولو أنها لم تكن عديمة الجدوى، مقابل نجاعة البحث الإثنوغرافي المقرون بالبحث التاريخي”.

هنا، استحضر حمودي “جوابا مهما لم ينتبه إليه الناس كثيرا” للمؤرخ عبد الله العروي، حول سبيل نزع الاستعمار عن المعرفة المتعلقة بالمغرب، وباقي الدول التي بحث فيها أنثروبولوجيون وإثنوغرافيون أجانب، دون تخل عن تراكمهم: “مقارنة الصورة التي تخرج من تلك الكتابات عنا، مع الصورة التي تخرج من الكتابات التي كتبناها نحن عن أنفسنا، ونرى التقاطعات والتناقضات بينها”.

وأضاف الأنثروبولوجي المغربي: “هذا جواب جيد! لكن لا يمكن أن نقول إنه يشفي الغليل. كما قال العروي في “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” إنه إن لم نفكر، نحن، في منهجٍ، فإن كتاباتنا ستبقى إيديولوجية. وهذه كانت بالنسبة لي بداية، مع أنه كان يرفض تماما الإثنوغرافيا. وكان جواب الخطيبي المعروف هو “النقد المزدوج”. والمشكل هو عدم وجود الطرق المنهجية للقيام به، والتفكير في تلك الذات العالمة الباحثة التي تقوم بذلك النقد المزدوج، وماهيتها والتي تكون هي الوسيطة”. بمعنى أن ما ظل مبهما في هذا النقد “الوساطة العلمية والإبستمولوجية”.

وذكر الأستاذ في جامعة برينستون الأمريكية أنه “من الأمور التي لم يكن من الممكن قولها آنذاك أن الإدارات المحلية المغربية بعد الاستقلال استعملت ذلك الرصيد (البحثي الاستعماري)؛ لكنها كانت تمنع الباحثين من الاطلاع عليه، بفعل النزعة الوطنية في الإعراض عن الأشياء الاستعمارية. وفي حل النزاعات كانوا يستعملون الأرشيف الكولونيالي الذي أصبح من وسائل الإدارة، وضبط الأمور”.

واسترسل حمودي متحدثا عن حدسه – المغامرة، آنذاك: “بدل الإعراض عن الخزانة الإثنوغرافية الاستعمارية، كان مشروعي هو الإحاطة بها تدقيقا إلى غاية تأزيمها. ومؤشرات التأزيم هي محدودية “التقطيع الجزئي”، وهو موقف تطور بعد الحدس، وهو عدم الإعراض عن القراءة، بل القراءة أكثر وأكثر، وقراءة ما أمكن من هذه الخزانة، للإحاطة بها، والتمكن من ثغراتها، وتأزيمها. وبدأ يتطور هذا في أبحاثي، دون شعور به وتيقن منه، وجاء مع التجربة شيئا فشيئا وتبلور، ووجدت نفسي في جزئيات وأمور شيئا فشيئا. وكان البحث الميداني وسيلة للتعرف على من سبقوني، وانتقادهم، مغاربة وغير مغاربة، وطبعا الخلاصات النظرية والارتباط بالسياسة كان يأتي لكن لم أكن أبدأ منه”.

بعد هذا، بسط عالم الأنثروبولوجيا المغربي خلاصته: “من أدوات التحرر من الاستعمار، وخلق البديل، ألا نبقى في النقد الكولونيالي بمعنى تشخيص الإطار العام، ثم استخراج أن تلك المعرفة لا تصلح؛ بل يجب البدء من ذلك الواقع الذي تداخلت فيه الممارسات الكولونيالية والممارسات المغربية والتاريخية وخلقت شيئا جديدا، نشخصه ونُنَظّر له، ثم نرتقي لما هو إطار عام”.

وقدم حمودي مثالا بإحدى أطروحات مشروع “الأنثروبولوجيا العربية” الذي يدعو إلى صياغته: “المعارف الموروثة عن الاستعمار، التي وقفتُ عليها في الإدارات المغربية، والكتابات الأنثروبولوجية والإثنوغرافية بصفة عامة عن مجتمعنا ومجتمعات أخرى في المنطقة، مشكل معلوماتها ومعارفها المتكتلة إبان الاستعمار ليس أنها مغلوطة في حد ذاتها، بل المغلوط فيها هو ترتيبها وتنظيمها في إطار نظري وسياسي عامين. ففي “التجزيئية”، تجزأ المباحث كلُّها، ثم تُرَكَّب وتنظّر بمفاهيم تحاول تعدي الجزئيات إلى نظرية ما. ومشكل المباحث الاستعمارية (…) في تركيب الجزئيات في المجال الشامل الذي هو الإمبراطورية الفرنسية، حيث كان مستقبل المغاربة الاندماج في ذلك الكيان الهائل تحت القيادة الفرنسية. أما الملاحظات الأولى الجزئية فلا بأس بها، وفي كل بحث يلزم أن نجزئ من الأول”.

إذن، يرى حمودي أن إشكال الأطروحات الأنثروبولوجية والاستعمارية، وهي خلاصة يجب تعميمها بحذر وفقه، هي: “إهمال تطلعات المغاربة والمغربيات، الذين منهم من آمن بالوضع الإمبراطوري، ومنهم من فكر في القيام بثورة ضد ذلك؛ لكن أهملهم البحث الكولونيالي، وكأن المغاربة والمغربيات يعيشون في هذه الجزئيات فقط، ولا يفكرون في هذا الإطار الآخر الذي هو إطار الاستقلال والانتساب إلى مجموعة أخرى”.

بالتالي، الأطروحات “مغلوطة من حيث دمجها في إطار عام نظري وإنساني وسياسي. والبديل ينطلق من الأخذ بعين الاعتبار الممارسات الإنسانية والفعل الإنساني كفعل، بأهدافه وتطلعاته، الذي لا ينسلخ ولا يمكن فصله، ولو كان محليا بأهداف محلية وملموسة، عن الأفق”.

وركز حمودي على مسألة “الوساطة العلمية والإبستمولوجية” منذ كتابه الأول “الأضحية وأقنعتها”؛ وهو ما تم، بتعبيره، بـ”إرغام من الآخرين” (أي في تفاعل مع أسئلة من يدرسهم، وما يظهر من محدوديات في ضوئها). بعد هذا، زاد المتحدث: “دامت التجربة أربعة عقود، قبل التفكير في تخويل نفسي (حق) الكتابة حول هذا الأمر، كتابة تكون محل تفكير ونقد وتفنيد”.

تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن الأنثروبولوجي عبد الله حمودي قال إن في مشروعه “المسافة والتحليل”، وباقي أعماله، محاولة “رسمٍ لخطواتي، ليتمكن الناقد من نقدها وتفنيدها. وأؤمن بأن أي أطروحة لا ترسم الخطوات التي تمكن القارئ من نقدها وتفنيدها هي أطروحة غير صالحة”.

وذكر حمودي أن هاجس مساره هو “إيجاد بديل معرفي”، في وقت “لم يكن أحد، بما في ذلك طلال أسد، أو إدوارد سعيد الذي أُجِلّ خدماته في النقد الراديكالي للاستشراق التي حررتنا من التحيز والتحقير والغطرسة… لكن لم يكن له جواب حول ما الذي يمكنني القيام به بهذا الرصيد الإثنوغرافي (الاستعماري)؟”.

وزاد المتحدث: “كنت مهوسا بفكرة أن على مجتمعي خلق معرفة جديدة، تنبع منه، دون تحيز، وبحوار مع ما يأتي من الخارج. وما الأنثروبولوجيا التي يجب أن تُدرَّس وتكون نافعة؟ وكانت الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا في العمق، بالنسبة لي، هي أن يدير المغاربة والمغربيات وجوههم ويروا واقعهم بنظرة تشخيصية ونقدية ومستشرفة في المستقبل، ويكون هذا في حد ذاته قطيعة”.

وحول “عربية” هذه الأنثروبولوجيا التي يدعو إلى صياغتها حمودي، قال المتحدث إن إكراهات التدريس والبحث هي التي منعته من الكتابة بالعربية، وحصرته في الفرنسية والإنجليزية. لكن، يستدرك الأنثروبولوجي قائلا: “كان حلمي دائما غرس العلوم الاجتماعية في اللغة العربية، لطابعها التشخيصي والنقدي وتوسيع التفكير. والآن بعد أن شخصت وكونت رصيدي ومساري المهني، اتّجاهي الأول هو الكتابة بالعربية، بعربية لا يدخل عليها العلم صدقة، بل يكون مستواها يضاهي كتاباتي وكتابات آخرين بالإنجليزية والفرنسية. لا أقول إني توفقت في هذا دائما، إلا أن هذا هو مشروعي”.

هذا المشروع الذي “يحتاج أجيالا وأجيالا”، ويحاول حمودي “فقط فتح أبوابه”، يذكر منظره أنه لا يدعو إلى “التقوقع في العربية”؛ بل يدعو إلى “الكتابة بالعربية وبلغات أخرى، وتعلمها، للتباري مع الباحثين على مستوى كوني”.

وتبرز أهمية هذه الدعوة، مع استحضار حمودي “مشكلة اللغة”، حيث “النقد الكولونيالي وما بعد الكولونيالي جيد؛ لكن لا يزال يدور في الإبيستيمية الغربية (…) والمساحة التي أجدها للخروج من هذا هي اللغة، وهي مقابلة الرصيد المدون بالعربية منذ قرون، والمعرفة فيه حول مجتمعات منطقتنا والمجتمعات الأخرى، ومقابلتها بالرصيد الإثنوغرافي الموجود في الأنثروبولوجيا الغربية، وهي مقابلة يمكن أن تنتج معرفة أخرى”.

وقدم عالم الأنثروبولوجيا المغربي والأستاذ في جامعة برينستون الأمريكية مثالا بابن خلدون، الذي “عندما نقابله مع الإثنوغرافيا الغربية يبدو مهما؛ لأنه الوحيد الذي يتكلم عن الدينامية، وتَكَوُّن “العَصَبِيَّة”. وهذه المعرفة الجديدة، تخرج من مقابلة الرصيد الإثنوغرافي والسوسيولوجي الغربي بالرصيد المدون بالعربية منذ قرون، ومنها يمكن أن نصوغ أنثروبولوجيا بديلة تتعدى تقسيم العمل التقليدي بين الاستشراق والأنثروبولوجيا”.

ولا يرى عبد الله حمودي أن الكتابة بالعربية تصطدم بعدم وجود مجتمع علمي مخاطَب يمكنه مناقشة الإنتاجات والأطروحات، مستحضرا مثال ندوته هذه ونقاش الباحثين والباحثة لمشروعه، قبل أن يشدد على أن “مشكل الكتابة والصياغة يتطلب جهدا”، علما أن “للعربية، في أحشائها، إمكانيات أن تَكتُب بالوضوح المفاهيمي المقبول”، ليجمل، بعد ذلك، باسطا حلمه: “وقتٌ يفوق فيه (المفهوم المَصوغُ بالعربية) المفاهيم المتداولة”.

 

(هسبريس المغربية)