أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | تونس اليوم الثاني.. خطوتان إلى الأمام.. خطوة إلى الوراء !

تونس اليوم الثاني.. خطوتان إلى الأمام.. خطوة إلى الوراء !

ليلة طويلة مر ت على التونسيين بين 25 و26 من جويلية، خلال إحياء عيد الجمهورية.. كان الترقب والاحتقان سيد الموقف بعد أشهر من الركود السياسي والاخفاق الحكومي.. هل كانت ليلة للسكاكين الطويلة البيضاء التونسية ام أنها انقلاب معلل بالدستور؟! .. حتما ستتوضح الرؤية تباعا، إذ لم تكن الساعات الماضية كافية لاستيعاب مجمل المشهد ، حتي أنها لم تشهد أي موقف دولي أو إقليمي مما أعلنه رئيس الجمهورية قيس سعيد من إجراءات استثنائية، كان البعض يتوقعها وسط الفوضى التي فاقمتها تداعيات كورونا والفشل الحكومي في مواجهتها، تضاف إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وزيادة مستوى الفقر والغلاء والفساد.

لقد عجل الغضب الشعبي من حركة الرئيس في مواجهة خصومه العاجزين عن التحرك بشكل فاعل.. فمجلس النواب شبه معطل بفعل الصراعات والمحاور التي تخترقه وغياب القدرة على الإنجاز بعيدا عن المحاصصات. والحكومة بقيادة رئيسها المقال هشام المشيشي تدور في حلقة مفرغة، في ظل حالة الخلاف مع قرطاج واشتراطات حزامعا السياسي للبقاء. يأتي ذلك في وقت كانت مبادرات الرئاسة الدبلوماسية لجلب مساعدات طبية ولقاحات، وتشريك الجيش في هذه الخطة الصحية ، عنصرا آخر  مهما في الرضا الشعبي عن أداء الرئاسة، يضاف إلى ذلك نظافة يد الرئيس وعدم تورطه في أي فساد ظاهر حتى الان. كلها عوامل ساعدت على المضي قدما في أخذ الرئيس لزمان الأمور .

عندما كتب دستور 2014 بتوافق وقبول لكل مجاميع المجلس التأسيسي وعلى رأسهم إسلاميو النهضة, الذين كانوا عرابي هذه الوثيقة، التي رغم ما حف بها من جدل، كانت محل إجماع وترحيب وطني. وانطلاقا من الدستور وتحديدا في فصله 80 وجد الرئيس سعيد المدخل الاكثر ملائمة لكبح جماح منافسيه وتجميع السلطات المؤقت بين يديه. خطوة رافقها جدل قانوني ودستوري اقله، اعتبارها تعسفا على مضمون النص، وأعلاه ، توظيف الفصل للانقلاب على الدستور والتوافقات. وقوبلت حركة سعيد برفض من أغلب التيارات السياسية ، كما انتقدت من قبل عدد من المختصين البارزين في القانون الدستوري. فيما رأى فيها البعض الآخر قراءة واقعية لنص دستوري مبهم نسبيا.

يبدو أن الرئيس ومساعديه، وهو الذي كثيرا ما وجه سهامه لمدونة دستور 2014, بل قد دعا صراحة للعودة لدستور الاستقلال مع تنقيحه، قد حزموا أمر خطتهم، من خلال عنصر المفاجأة والترتيب المسبق، إذ لا يمكن لحركة مشابهة أن تكون وليدة اللحظة. كلنا يتذكر تكرار الرئيس سعيد خلال الأشهر الماضية في مختلف جولاته وكلماته، لسيناريو المؤامرة والدسائس ، كما نتذكر تلك الليلة التي زار فيها فيلق القوات الخاصة، وتواترت هنا وهناك أنباء عن محاولة انقلابية لم تثبت صحتها من عدمه. وبصرف النظر عن كل ذلك فقد وثقت الرئاسة علاقتها بالجيش وقيادته وهو أمر جديد وخطير في تاريخ تونس السياسي. توثيق وتشريك قد يكون ذو حدين لكنه بدا ناجعا للرئيس حتى الان، والذي يمكن القول إنه كان في عزلة سياسية كسرها بالانفتاح على المؤسسات السيادية والامنية، في وقت لم يكن له حليف قوي وموثوق بالمشهد السياسي.

مرت الساعات الأولى لتحل الخطوة الثانية، وبعد خطوتين إلى الامام كانت خطوة الرئيس إلى الوراء، وانعطف الخطاب الرئاسي من تهديد صريح باستعمال القوة ضد الخصوم  المعتدين  إلى خطاب أكثر واقعية ومسؤولية، خلال لقاء ممثلي المنظمات الوطنية ، وممثلي القضاء والمجتمع المدني، خطاب طمأنة نسبي أكد فيه على القانون وتطبيقه، في محاولة لإعادة البوصلة إلى مكانها والانطلاق على أسس جديدة. يبقى الخصم الرئيسي هو حركة النهضة التي يبدو أن قيادتها وبعد طفرة الساعات الأولى التي مثلت لها صدمة حقيقية، باتت مضطرة للتراجع التكتيكي إزاء خصمين، رئاسة الجمهورية والشارع المحتقن، تراجع قد يجعلها لا تخسر كل شيء، في ظل اعتزام سعيد ، والأوراق معظمها بين يديه، إلى الذهاب بعيدا في المحاسبة ، محاسبة قد تتطال مرحلة ما بعد 2011 بكل رموزها .

لا يتوفر أو لم يعلن رئيس الجمهورية عن خطة طريق للمرحلة المقبلة، أعلن عن شهر لترتيب بعض المسائل التي لم تتوضح بالشكل الكافي، وأصدر قرارات إجرائية في انتظار تعيين رئيس حكومة جديد. ومن المرجح أن لقاءاته التي اقتصرت على المنظمات الوطنية حتى الآن، ستتوسع لتشمل أطرافا اخرى، ستكون مخرجاتها مهمة لبلورة رؤية الرئاسة في تسيير شؤون البلاد خلال هذه الفترة التي قال الرئيس سعيد أنها لن تطول. وقد تتمخض عن تعديلات دستورية وقانونية تواكب هذه التطورات السياسية ، وهو ما سيكون اذا تم مقدمة لإعادة توزيع التوازنات السابقة وفقا للوضع الراهن الذي يتميز فيه الرئيس سعيد بأسبقية من خلال الدعم الشعبي المضاعف الذي حصل عليه، دعم غير مهيكل بحكم غياب الإطار الحزبي المرجعي.

في قراءة المرحلة المقبلة شعبيا وسياسيا هناك سيناريوهان، اول ، أن يوظف الرئيس قيس سعيد هذه اللحظة التي وينها بالتاريخية، بعد تكبيل وإزاحة جميع خصومه السياسيين، لبناء حزب يتمتع بقاعدة شعبية واسعة استعدادا للانتخابات القادمة ، وهو ما قد يسهل مجمل رؤيته الدستورية في بناء نظام رئاسي أكثر وإيجاد موطئ قدم له بالبرلمان يسند مبادراته التشريعية ويكون عينا له على الحكومة. أما السيناريو الثاني فهو أن يكتفي الرئيس بتقديم مبادرته بحزام حزبي من ضمن المشهد الحالي، ويمضي قدما في تنفيذ أجندته لإعادة هيكلة المؤسسات ومحاسبة المتجاوزين بدون أفق كبير سوى العمل على تغيير نظام الحكم نحو أكثر مركزية لمؤسسة الرئاسة. قد تكون آفاق المشهد التونسي العام ضبابية حتى الآن، لكنها تدريجيا ستكون أكثر وضوحا خاصة في تفاعلات الإقليم والقوى الكبرى والعالم مع قرارات رئاسة الجمهورية في ظل وزن جيوسياسي محدود لتونس..

شكري الصيفي – كاتب من تونس