أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | في استراتيجية التصرف في الأزمات: تونس وضعف القدرة على الاستباق

في استراتيجية التصرف في الأزمات: تونس وضعف القدرة على الاستباق

لا نريد أن نقسو كثيرا على بلادنا وعلى دولتنا خاصة وأننا نعاني من أزمات صحية واقتصادية وسياسية معقدة

ومترابطة نواجهها بإمكانيات متواضعة وبإرادات متناقضة يغيب عنها الحد الأدنى من التضامن والتنسيق .
ولكن ما يجعلنا مشدوهين هو غياب المراكمة في أعلى مستويات السلطة والعجز الفادح عن وضع الخطط الاستباقية ، فأزمة تونس – نكررها للمرّة الألف – لا تكمن في ضعف الموارد المالية بالأساس بل في ضعف العقل الجماعي الذي يحكمنا ..
والإشكال أن انطلاقتنا كانت جيدة عموما في التصرف في الموجة الأولى من جائحة الكوفيد 19: إعلان الحجر الصحي الشامل بعد حوالي أسبوعين فقط من تسجيل الإصابة الأولى المؤكدة مع وفايات محدودة للغاية .وانتهت هذه المرحلة بأكثر من ألف إصابة مؤكدة بقليل وبـ50 وفاة .
صحيح أن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية كانت باهضة ،ولكن حكومة الفخفاخ اختارت إستراتيجية التوقي الصحي المطلق ونزل المسؤولون الأول فيها بكل ثقلهم.يمكن أن نقول اليوم ما نريد على تلك المرحلة ولكن الحكومة التونسية بإمكانياتها المتواضعة وضعت خطة استباقية جنبتنا أزمة صحية لا قبل لنا بها حتى لو اعتبرنا أن معطيات موضوعية عدة قد تدخلت هي الأخرى للحد الهام من انتشار الوباء في الربيع الفارط ..
ولكن انغماس الجميع في الصراعات السياسية مع ضعف آثار الجائحة عندنا جعلانا لا ننتبه إلى أن سباقا عالميا محموما بدأ منذ الأسابيع الأولى للسنة الفارطة حول دواء أو لقاح لهذا المرض الجديد ،وأن الدول بدأت تضع استراتيجيات الخروج الصحي والعلمي من هذه الجائحة ..
قد نجد أعذارا للدولة التونسية إلى نهايات شهر أوت الماضي ، فعدد الإصابات الجملية كان دون خمسة الاف حالة مؤكدة والوفايات كانت تحت عتبة المائة..ولكن مع نيل حكومة المشيشي ثقة مجلس نواب الشعب في بداية شهر سبتمبر انطلقت موجة ثانية من الجائحة أقوى واعنف بكثير مما شهدته بلادنا على امتداد الأشهر السابقة : أكثر من 15.000 حالة مؤكدة خلال شهر سبتمبر فقط وحوالي 180 وفاة ،ومنذ تلك الفترة والأرقام في تصاعد مستمر إلى أن شارفنا على 170.000 حالة مؤكدة و5415 وفاة..
ومازالت الدولة تتخبط في تحديد استراتيجية واضحة للتلقيح بل هي اليوم تستجدي من دولة شقيقة بعد أن عوّلت فقط على برنامج الأمم المتحدة وما قيل لنا أنها قد أبرمت اتفاقا (؟) مع مخبر فايزر لاقتناء مليوني جرعة لا يدري أي أحد متى ستأتي بالضبط وبأي تحقيب زمني .
الإشكال يكمن فقط في التالي : عدم أخذ الإجراءات الضرورية بالحدّ الأدنى من الاستباق المطلوب ، أي عدم الاتفاق المبدئي مع المخابر التي كانت على وشك الوصول إلى اللقاح منذ شهر أكتوبر الماضي أو على أقصى تقدير منذ شهر نوفمبر ..مع العلم أن بلدا كالولايات المتحدة قد تعاقد مع ستة مخابر منذ شهر ماي 2020..
وعدم الاستباق هذا وما تلاه من لخبطة وتنافس مضحك مبك بين راسي السلطة التنفيذية خلال هذه الفترة الأخيرة (إستراتيجية للتلقيح في 5 جانفي في القصبة وأخرى مماثلة في 8 جانفي في قرطاج !!) هو الذي يضعنا اليوم خارج السباق العالمي والإقليمي أيضا، فلا نحن تحكمنا في تفشي الجائحة عندنا ولا نحن تموقعنا بصفة مرضية في السباق العالمي من اجل توفير اللقاح في البلاد.
والمسؤولية هنا لا تتحملها الحكومة لوحدها بل كل دوائر القرار الإدارية والعلمية أيضا وكذلك النخب السياسية التي انغمست في صراعاتها وتركت مشاكل البلاد للحكومة وحدها وإلى وسائل الإعلام أيضا وهيئات المجتمع المدني التي لم تدق ناقوس الخطر في الإبان وغرقت بدورها في اللهاث وراء اليومي التافه لطبقة سياسية تائهة ومتناحرة ..
كنا نفاخر في الستينات خاصة بأن حجم تونس السياسي يتجاوز كثيرا حجمها الفعلي وكان ذلك نتيجة عبقرية الزعيم الحبيب بورقيبة، ثم استعدنا حجما سياسيا هاما مع الثورة وأضحت تونس لفترة ما محط أنظار العالم.. ولكن أخطاءنا المتراكمة وعدم قدرتنا على الإنجاز وتتالي قيادات سياسية ليست في حجم المرحلة ،كل هذا جعل موقعنا يتراجع كثيرا في جغرافيا العالم السياسية والديبلوماسية إلى أن أصبحنا نتصرف في الأزمات الهيكلية والعرضية التي تمر بها البلاد دون بوصلة تقود خطانا في الظلام الدامس المحيط بنا ..
لقد طالت غفوتنا أكثر ممّا يجب ..

(زياد كريشان – المغرب)