أخر الأخبار
الرئيسية | أخر الأخبار | تونس.. حكاية “رجل شجاع “يحلم بثورة بيئية في جرجيس

تونس.. حكاية “رجل شجاع “يحلم بثورة بيئية في جرجيس

بعد عشر سنوات على ثورة 14 جانفي 2011 التي أطاحت بالدكتاتورية، هناك في أقصى الساحل الجنوبي التونسي من يحلم ويناضل من أجل ثورة أخرى يراها “أهم وأكثر فائدة ” وهي الثورة البيئية. محسن ليهيذب، ناشط بيئي مستقل ومفكر حر، قد لا يعرفه الكثير من الناس لكن نشاطه في مجال تنظيف شواطئ بلدته جرجيس بولاية مدنين وشواطئ الجنوب التونسي عامة، من كل ما يقذفه المتوسط من بقايا بشرية وصناعية، بوأته مكانة في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية.

لقد بدا وعي محسن بقضايا البيئة والطبيعة والإنسان عموما، منذ زمن الدكتاتورية وهو متواصل إلى اليوم.

قد لا توحي ملامحه للوهلة الاولى بحقيقة عمره، فالرجل ذو المظهر البسيط الذي يبلغ السابعة والستين من عمره، يعتمر أحيانا “الشاشية التونسية” وأحيانا أخرى “قبعة رياضية” فيبدو حينها أصغر سنا رغم بعض التجاعيد الظاهرة على جبينه الاسمر.

لقد أكسبه اعتناقه أسلوب حياة “بوهيمي” والتحامه بالطبيعة والمشي مطولا على الشواطئ، النشاط والحيوية اللازمين لمواصلة “حركته” التي بداها منذ تقاعده.

حقق لجرجيس اشعاعا لم يحققه غيره

يقول عنه صديقه المتقاعد وابن بلدته “صلاح المزلوط” وهو عضو في جمعية التراث بجرجيس “إنه رجل شجاع ومثابر حام للطبيعة، رحيم بالإنسان ورفيق بالحيوان”. لقد “حقق للسياحة في جرجيس بفضل مجهوده الشخصي إشعاعا لم تنجح في تحقيقه السلطات أو الجمعيات” حسب رأيه.

منذ أن تقاعد سنة 2013 من عمله في قطاع البريد، تفرغ محسن لتنظيف الشواطئ حتى أصبح نشاطه الاساسي. وقد تطور نشاطه تدريجيا ليشمل التوعية بضرورة احترام البيئة والدفع نحو تحسين المحيط.

اختار ليهيذب لنفسه إسما حركيا هو “بوغميقة النيندرتالي”، أراده غريبا كما يشعر أحيانا وهو يعرف صاحبه ب”رجل فقير هامشي ليس بطلا بالمعنى المتعارف لكنه يحمل حكمة وضميرا إنسانيا يغرد بهما خارج السرب “.

يشبه محسن نفسه في بعض أشعاره باللغة الفرنسية، بال”الجندي المجهول الذي أدى واجبه مرتاح البال وعاد ليغرق في النسيان”.

وينشر هذا الفنان البيئي اشعاره وما يكتبه عن بلدته وسكانها في مدوناته العديدة ضمن سعيه لتأسيس “ذاكرة للانسان والبحر”.

تغيير سلوكيات الناس، غاية كبرى

وهو يعتبر ان “كل ما لفظه البحر ورائه قصة لا ينبغي نسيانها” لذلك يجمع كل ما يعثر عليه على الشواطئ وما يلفظه البحر من نفايات بلاستيكية (قوارير وعوامات …) وقطع فخارية وأحجار وسكاكين وبقايا حيوانات بحرية وحتى بشرية.

وبينما يزداد وضع البحر الابيض المتوسط سوءا عاما بعد عام، من حيث تدفق النفايات البلاستيكية التي قدرها خبراء البيئة البحرية، في تقرير صدر في اكتوبر 2020، بنحو 220 ألف طن كل عام، لا يفقد هذا “الفنان البيئي”، حسب توقيعه الامل ويواصل تنظيف ما استطاع من مجال بحري من هذه النفايات و يعيد تركيبها في لوحات فنية جميلة للناظر حمالة لمعاني ورسائل تدعو للتصالح مع بيئة لا تدميرها.

فأغلى أمنيات الرجل هو “تبني الناس السلوك البيئي الدائم” والكف عن “البهلوانيات العقيمة”. إذ يرى “محسن لهيذب”، أن الثورة (17 ديسمبر2010/14 جانفي 2011) كان لها اثرا كارثيا على البيئة.

قد لا يحدث ما يقوم به “محسن” صدى واسعا عند أغلب الناس في جرجيس، الا أن نخبة من المثقفين قدرته حق قدره ، حسب صديقه أستاذ التاريخ المتقاعد صلاح المزلوط.

فعامة الناس يدعونه باللهجة العامية التونسية ب”متاع الدبابز” أي “رجل القوارير” ، لأنهم تعودوا رؤيته حاملا أكياسا مليئة بالقوارير البلاستيكية أو البلورية يجمعها من الشواطئ ويضعها في حديقته الخلفية”، حسب ما رواه المزلوط ل”وات”.

من 26 ألف إلى مليون قطعة لفظها البحر…

سنة 2003، حصل محسن ليهيذب على اعتراف عالمي وسجل اسمه في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية إقرارا بمجهوده في جمع 26820 قطعة مختلفة أخرجها البحر، خلال ست سنوات. وقد بلغ هذا الرقم مليونا إلى حد اليوم، حسب ما صرح به ل”وات”.

ويضيف “الرقم القياسي الذي تحصلت عليه مهم اعطاني شرعية نوعا ما وشجعني على الاستمرار، فقبل الثورة كنت أمارس هذا النشاط كنوع من الصمود والتحدي ولكن بعدها أصبحت اقوم به لوضع حد للامبالاة وعدم الاكتراث اللذين يسودان مجتمعنا اليوم”.

يشعره جهده بالرضا وهو يعيش اليوم حياة هادئة في جرجيس، لكنها لا تخلو من بعض المرارة. فعلى مدى 27 سنة لم يتلق الرجل مساعدة لا مالية ولا عينية من السلطات ولا من الافراد ولم تنتشر عدوى هوسه بالبيئة على نطاق واسع مثلما كان يريد ويأمل.

فحتى في منزله المتواضع الذي يعيش فيه مع زوجته وأبنائه وأحفاده الاربعة، لم يرضخ الرجل لرغبة العائلة في توسعة المسكن واستغلال حديقته الخلفية للقيام بذلك مثلما يفعل عامة الناس في العادة، بل أصر على تحويلها إلى فضاء فني وأنشأ “متحف ذاكرة البحر والإنسان” حيث يعرض كل ما التقطه من الشواطئ فضلا عن مجموعة من الكتب القيمة ودواوين الشعر.

وفي متحفه ينزوي هذا الناشط والفنان البيئي أحيانا ليتأمل أو ليكتب الشعر و يعتني بالاشياء التي وضعها بعناية في زوايا مختلفة، او ليستقبل الزوار خاصة من بين تلاميذ المدارس والمعاهد والمهتمين بالشأن البيئي والثقافي اضافة الى صحفيين من بلدان مختلفة.

“اعتبره (المتحف) شخصيا مساحة للتنوير. فعندما لا يستطيع تلاميذ المدارس المجيء أذهب للقائهم وأشرح لهم ما أقوم به وأحفزهم على القيام بأنشطة مماثلة وأدعوهم لاحترام الطبيعة و البحر”

وهو يؤكذ ان “الفرح يغمره عندما يرى حماس الزائرين لفكرته وفلسفته ويسعد حين يشركهم في تكوين تركيبات فنية مما جمعه من “نفايات صالحة وحافظة لذاكرة ما”.

ويبدو، من خلال تصريحاته، أن طموحه لتغيير نمط العيش الذي طغت عليه اللامبالاة والأنانية والاستهلاك المفرط، تسرب إلى أحد أحفاده الأربعة . ف”محمد علي” ذو السبع سنوات يريد أن يصبح مهندس فضاء.

وهو يشارك جده لعبة الشطرنج التي يتقنها ويحدث الزوار عن الارض والمجرات.

التناغم مع الطبيعة، أسلوب عيش

يصنف ليهيذب ما يقوم به على أنه “فن من نوع خاص” وبما أنه يقوم في جزء منه على المشي فهو أشبه برياضة ال”بلوجينج” التي تجمع بين الركض وجمع القمامة، والتي انتشرت في البلدان الاسكندنافية ثم انتقلت الى بقية أنحاء العالم، نظرًا لفعاليتها في حرق الدهون وفائدتها للبيئة.

“ما أقوم به يشبه أيضا قرعا مسترسلا وخفيفا على الرؤوس حتى يستفيق البشر” فالإنسان لا يجب أن يخضع لمنطق الروتين والامر الواقع ويكتفي بانتظار مرور الوقت. لابد أن يكون فاعلا ويغير الواقع وإن كان هذا بشىء بسيط”.

رؤية مختلفة لقضية المهاجرين غير النظاميين

تبنى الرجل قضية المهاجرين غير النظاميين و محنتهم وهو كثيرا ما يعثر على ملابسهم وأحذيتهم وأحيانا جثثهم على شواطئ مدينته التي تستقبل باستمرار جثثا لفظها البحر بعد أن غرقت قوارب الموت بأصحابها. وهو يشارك اليوم مواقفه حول هذه الظاهرة عبر مدونة “باستا حراقة” او “كفى حرقة”.

هذا الاهتمام جعله، في عهد الدكتاتورية، مرجعا لبعض المنظمات غير الحكومية الدولية التي التقى به ممثلوها في أكثر من مرة وطلبوا شهادته في ما يخص بعض حوادث الغرق لقوارب المهاجرين من السواحل التونسية.فتجواله الدائم على الشواطئ أكسبه خبرة وجعله يكتشف عمق الازمة ويتأمل في اسبابها وكانت الاشياء التي يعثر عليها لمهاجرين قضوا حتفهم يزيده حنقا على الظروف ورغبة في تغييرها. “منذ سنة 1995 عندما بدأت ظاهرة “الحرقة” عبر السواحل الليبية والتونسية، بدأت أجمع الاشياء من البحر واحتفظ بها كنوع من “الاحتجاج والتنديد بالعنف وبقسوة الظروف التي تدفع الناس الى الموت في البحر” .

قربه من “الحراقة” ولقاءاته ببعض الناجين من “قوارب الموت” وحواراته معهم جعلته يدرك، أن أسبابها متغيرة حسب الجهة حيث تختلف هذه الاسباب في إفريقيا جنوب الصحراء عنها في شمال إفريقيا. “في إفريقيا جنوب الصحراء، قد تفسر الظروف القاهرة النزوع الى الهجرة أما في شمال افريقيا فالأمر اصبح بمثابة المنافسة على “الحرقة” عبر افكار تجريبية و”تثاقف” مدمر” وحان الوقت ليكف كل هذا .

المثابرة، سلاح للتغيير

لا يبدو أن “محسن ليهيذب” سينقطع عما يقوم به ، رغم ضعف الامكانيات المادية ورغم التقدم في السن. فهو يؤمن أنه لابد من المثابرة لحصول “ثورة بيئية” وهذه الثورة “ستخلق الثروة والعمل وتقلص حتما من الفساد وسوء التصرف وتجعل التونسي يتحمل كل جوانب الحياة بكل مسؤولية وادراك…”.

أما عمن سيقود هذه الثورة، فالناشط المستقل يعتقد أن “كل فرد هو سيد نفسه وصاحب الفكرة والانجاز وهو المستفيد من النتائج” رغم أن دور الجمعيات والدولة يبقى هاما. “إن بحرنا يغرق في التلوث وكذلك الارض والغابات والهواء. الطبيعة تستغيث بالإنسان في اخر نداء قبل فوات الاوان ولابد أن يستجيب لهذا النداء”.

(وات)