أخر الأخبار
الرئيسية | أخر الأخبار | فيديو: جيلبار النقاش .. مواقف وطنية ثابتة لمناضل يساري مختلف !

فيديو: جيلبار النقاش .. مواقف وطنية ثابتة لمناضل يساري مختلف !

 

عن عمر ناهز 81 عاما، توفي المناضل اليساري التونسي جيلبار النقاش الذي حبّر وطنيته على أوراق الكريستال، وهو نوعية من الدخان الشعبي في تونس. المناضل الراحل قضى فترة مهمة من حياته في السجون والزنازين ودوّن مسيرته السجنية صحبة رفاقه.

ولد النقاش في 15 يناير 1939 بالعاصمة تونس، في أوج الفصل الاستعماري، وبداية نضج الحركة الوطنية. وبدأ مسيرته النضالية منذ كان طالبا في الجامعة ثم تعمقت هذه التجربة بتأسيسه مع مجموعة من الطلبة التونسيين، من تيارات فكرية وقومية وماركسية متنوعة، في فرنسا سنة 1963، “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس” المعروف بحركة آفاق “برسبكتيف”perspectives نسبة إلى المجلة التي كان يصدرها هذا التنظيم.

الحركة بدأت في ظروف موسومة بالانغلاق السياسي الحاد، خاصة بعد قرار حظر الحزب الشيوعي التونسي، وبعد تصاعد ملاحقة التيار المؤيد للزعيم الوطني صالح بن يوسف الذي اغتيل في فرانكفورت صيف 1961.

وبعد انهاء دراساته العليا في المعهد الوطني الفلاحي بباريس، عاد النقاش إلى تونس، وتزامنت عودته مع قرار نقل نشاط “حركة آفاق” من باريس إلى تونس سنة 1964، التي سرعان ما أصبحت أنشط حركة معارضة للرئيس بورقيبة.

وتزامنا مع حرب 1967 شاركت الحركة في المظاهرات التي شهدتها تونس العاصمة بعد اندلاع حرب الأيام الستة تنديدا بالموقف المتخاذل للنظام التونسي آنذاك، وقُبض خلالها على عدد من مناضليها. وكان جيلبار طرفا فاعلا وقائدا لهذه التحركات والمظاهرات، وكان ممن اعتقلوا سنة 1968 وحوكموا بتهمة الانتماء إلى الحركة ونالوا أحكاما قاسية، حيث حكم عليه بشدة سنة 1968 بالسجن 14 عاما بسبب نشاطاته السياسية، وأطلق سراحه بعد 10 سنوات، ولكنه بقي تحت الإقامة الجبرية وخضع للمراقبة الإدارية.

وفي عهد بن علي لاحقته التضييقات والمراقبة نتيجة كتاباته اللاذعة وآرائه الناقدة ونشاطه المعارض، فدفع دفعا إلى المنفى بفرنسا وبقي عقودا في منفاه، ولم يعد إلى تونس إلا عام 2011 إبان الثورة التونسية. جيلبار النقّاش ينتمي لعائلة يهودية تونسية، ورغم أصوله اليهودية هذه، فقد كان من أشد المعادين للحركة الصهيونية، ومن أكبر مناصري القضية الفلسطينية في مواقفه وكتاباته وآرائه.

وكان النقّاش في كل مناسبة تتاح له يندّد بالممارسات العنصرية اللاإنسانية الإسرائيلية، لأنه يعادي الحركة الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية عنصرية، وهو ما ترجمه في موقفه الراديكالي من اتفاقية أوسلو ومن كل الاتفاقيات والمعاهدات اللاحقة التي تحاول القفز على الحقوق الفلسطينية المشروعة وتضليل الرأي العام العربي والدولي.

بعد الثورة واصل papy كما يطلق عليه أصدقاؤه ورفاقه، نضاله وإسهامه في الحراك السياسي كاتبا ومعارضا. وانسحب من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وكان يرأسها الفقيه الدستوري عياض بن عاشور.

وانتقد أيضا مشروع قانون تحصين الثورة، ورأى أنه لا ينبغي أن يُعتمد إلا في إطار قانون العدالة الانتقالية. وفي منتصف نوفمبر 2016 استُمع لجيلبار النقاش كأول شاهد، في أول جلسة استماع علنية، نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة، روى فيها ما تعرض له من تعذيب ومضايقات في عهد الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

وكان المفكر الراحل من اليساريين الأقلاء الذين نقدوا اليسار داعيا إلى مراجعة ونقد عدد من الأفكار السابقة التي تقوم عليها مثل هذه الأحزاب والتنظيمات. وظل الراحل نموذجا للمثقف العضوي الذي ينحاز للشعب وينتصر لقضاياه.

كان للراحل قصة مع الابداع والكتابة قبل دخوله السجن وبعده، وقصة كتابته الروائية الأولى “كريستال” قصة مشوقة وفريدة بحد ذاتها، حيث كان النقاش يكتب تفاصيل وأحداث روايته على أغلفة علب السيجارة التي يدخنها المساجين، في ظل الحصار والمنع المفروض.

لكن الشاب اليساري تغلب على كل هذه الصعاب، وكتب رواية “كريستال” التي كانت أولى مؤلفات أدب السجون في تونس. وحاول في كل ذلك التأريخ لمرحلة مهمة من تاريخ تونس المنسي، وأراد كتابة عذاباته وعذابات رفاقه المساجين، على ورق التبغ الذي يدخنه الشعب، هو المنحاز للشعب والمنتصر لقضاياه حتى في أبسط التفاصيل.

كما أصدر النقاش مؤلفات أخرى عدة مثل “السماء فوق السطح” سنة 2005، و”قصص السجن” سنة 2010، و”نحو الديمقراطية” سنة 2011، و”البطريق، وقصص أخرى” سنة 2013، بالإضافة إلى كثير من المقالات والدراسات النقدية والفكرية والشهادات والحوارات.

وخلال فترة السجن ببرج الرومي كان جيلبار النقاش ورفاقه يتسامرون ويتناقشون ويغنون محاولين تناسي آلامهم ووضعهم. وفي الغرفة 17 وهي أكبر غرف العزل في سجن برج الرومي، التي جمعت سجناء الرأي من حركة آفاق وبقية التنظيمات اليسارية التونسية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في هذا المناخ ولد فنّ “الزندالي” بوصفه التعبير الثقافي والفن الشعبي ونشيد المهمشين والمسحوقين والمسجونين ظلما، وولدت أغنية “الديسات” وهي المسّمى الفرنسي للغرفة رقم 17 بالسجن.

وقد خرجت الأغنية كما أراد النقاش ورفاقه تلقائية وبسيطة وصادقة رغم رسائلها الإنسانية العميقة بين السطور، وتقول كلماتها “إذا نموت وقدر الله ادفنوني في الديسات 17/والماشي والجاي عليا من ريفيزو للوفيات/سياسة كبيرة سياسة صغيرة حتى من زينوبة جات/ادفنوني في التركينة وين ما يبيّص بن يحي/بلاد النقاش وبن خذر تقعد في دمي حية/وهاك البلدي بجاه ربي خرجوه وحدو من لاريا/حبيتكم والحب شفاني تصبح على خير وعافية”.

القصيدة الزندالية تمثل تحديا امتزج فيه الفن الشعبي التونسي والسيمفونيات الغربية الكلاسيكية، وقد ترجم جيلبار النقاش ورفاقه كل ذلك بغنائهم هذه الكلمات التلقائية على وقع ولحن الحركة الرابعة من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن. ولم يكن هذا الاختيار من النقاش ورفاقه اعتباطيا، ذلك أن هذه السمفونية والحركة الرابعة من أجمل الاقتباسات والجدليات بين الموسيقى والشعر.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*