أخر الأخبار
الرئيسية | أخر الأخبار | شهوة المكان وأبعاد التجريب في استعادة بعض منجزات الرسام اليوناني ستيليو سكامانغا

شهوة المكان وأبعاد التجريب في استعادة بعض منجزات الرسام اليوناني ستيليو سكامانغا

رشيد حسني – كاتب من تونس

تتواتر بشكل جلي عبارة “البحر الليبي” في مؤلفات الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكي، وذلك في إشارة منه إلى إطلالة جزيرته المحببة كريت، على ليبيا والعالم العربي والقارة الأفريقية. ويبدو كازانتزاكي مفتوناً حد الهوس بالعرب، على الرغم من أن مدينتيه هرياكليون وكاندي تواجهان وتلتفتان للقارة الأوروبية. كما يصرح صاحب الكتابين الشهيرين “تقرير إلى غريكو” و”زوربا” بنبرات مداعبة ومتفكهة، بأن الدم العربي يغلي في شرايينه. حتى لما زار مدينة بعيدة ورأى حماراً أمامه، عادت به الذاكرة إلى الحوض المتوسطي والحياة الضاجة بالبداوة… “يا له من نيكوس جميل وفيلسوف ضاحك”، لكأن الأحمرة مقصورة في تواجدها على أراضي المشرق وضفاف المتوسط فحسب.

تبدو صلات التجاذب بين اليونان والعالم العربي كثيرة بلا شك، ويكفي تقاسم بحر المتوسط بينهما حتى تبدو الشعوب متقاربة ومتداخلة، وحتى الأفكار والألوان والتطلعات تكاد تكون ذاتها، متمازجة ومتشابهة مع فروقات صغيرة أحياناً، باستثناء حاجز اللغة وتباين بعض الرؤى المذهبية.

أمام هذا التجاور الخصيب، بدت ضفة المتوسطة الجنوبية مفتوحة على مصراعيها لاستقبال أسر وافدة من الجزر والأرخبيل اليوناني المترامي. في هذا الخضم ولد ونشأ الرسام ستيليو ساكامانغا STÉLIO SCAMANGA  سنة 1934 في دمشق، من عائلة يونانية من بين عشرات الأسر التي امتلكت ناصية المهارات والحرف وفرضت ذاتها في النسيج المجتمعي الشامي. انتقل سكامانغا سنة 1952 إلى بيروت، ليصبح أهم رسام يزود أروقة ومعارض بيروت بأعماله، ويثري النقاش والحوار الفكري، خاصة بإصداره بيان 1964 الذي دعا فيه للإسهام في تحديث الفن التشكيلي العربي.

بيروت كملجأ للإبداع

يرجح نقاد الفن ومؤرخوه على أن الكلف بـ “الأيقونة” هو العنصر الأساسي في تنامي الفن التشكيلي في لبنان. ولقد فرضت الإرساليات التبشيرية المسيحية (الأوروبية والأمريكية) بشكل مبكر، منذ فجر القرن التاسع عشر، الفن الأيقوني وتزويق الكنائس بالجداريات. ورغم النقص الفادح في التدوين لهذه الفترة المفصلية من الثقافة في الشام عامة، فإنه يمكن استنتاج الكثير من مسيرة الرسامين اللبنانيين الأوائل على سبيل المثال، وليس من الاعتباطي أن يقصد كوكبة من هؤلاء الرسامين العواصم الغربية لدراسة الرسم، مثل قيصر الجميل وخليل الصليبي في باريس، ومصطفى فروخ وفيليب موراني في روما…

أما حبيب سرور فيعتبر على الأرجح أول من اتخذ محترفاً خاصاً به للرسم وكان في قصر ألفريد سرسق، وفيه افتتح كذلك أول مدرسة لتعليم التصوير والرسم في بيروت. وتكشف هذه المغامرة المرتجلة لحبيب سرور ندرة قاعات العرض بلبنان في تللك الفترة، ما جعل الرسامين يقيمون معارضهم بالساحات العامة، بل وحتى في بهو البرلمان، وقد أشرفت صحيفة سوريا la Syrie  على هذا المعرض المميز.

ستيليو سكامانغا كان من أهم المساهمين في هذه السلسلة من المعارض، وكان أول معرض معلن له سنة 1960 بقصر اليونسكو ببيروت، ثم توالت المعارض في عدة أروقة، منها رواق one سنة 1961، ورواق l amateur سنة 1966. لتتفتح عيونه فيما بعد على أشهر المعارض الأوروبية في نيقوسيا سنة 1970، ستوكهولم 1977، ميونخ 1986، نيويورك سنة 1988 وغيرها من المدن العالمية.

مثلت بيروت الحاضنة الكبرى لستيليو سكامانغا، مثله مثل العديد من الرسامين العرب الذين برعوا في الرسم أو النحت وغيرها من الفنون. فقد كانت بيروت توفر لهم مناخاً ملائماً للرسم والحوار والإبداع والحياة الباذخة بشكل أوسع، بعد أن ضاقت بهم أوطانهم وأزعجتهم أشباح الدكتاتورية والإسكات والمطاردة.

وتشير الباحثة السويسرية سلفيا نايف، في أحد دراساتها الأكاديمية أن العنصر الاستشراقي أسهم بشكل كبير في تطوير فن الرسم، وذلك على يد عدة أسماء مثل ديفيد روبيرتس ووليام بارتليت، وإضافة لهؤلاء الرسامين برز الرسام جورج سير الذي كان يعمل بالسفارة الفرنسية ببيروت، حيث يعتبره البعض الدافع الحقيقي للفن اللبناني باتجاه التحديث.

من الأيقونة إلى اللوحة المسندية

كثيرة هي الجذور التي غذت الفن اللبناني لتجعل منه مناطق جاذبة لممارسة الفعل التشكيلي، من ذلك طابع التحرر السائد بالعاصمة بيروت الذي أغرى ستيليو سكامانغا كي يبدع ويتواصل مع مجايليه من الرسامين. ويمكن القيام بقراءة سريعة لتطور فن النحت اللبناني حتى نفهم طابع الانفتاح على التجريب والمحاكاة للمدارس الغربية الشهيرة في الفن، مثل الكلاسيكية والواقعية التجريدية والتكعيبية والسوريالية. وقد برع في مجال النحت ميشال بصبوص ويوسف الحويك ويوسف غصوب الذي اشتهر بمنحوتاته النصفية المدهشة. ويكفي يوسف غصوب فخراً أنه هو المؤسس الفعلي لنقابة الرسامين والنحاتين اللبنانيين، وذلك سنة 1962.

وإذا كان ستيليو سكامانغا قد أظهر تأثراً بيّناً بشخوص الأيقونات البيزنطية، فإنه كان مستوعباً لمشارب الفن الإسلامي، خاصة المنمنمات، ويمكن التماس تخصيصه مساحات واسعة للتخطيطات التجريدية، وهو يلتقي في طرق الرسام سعيد عقل لمشهدية اللوحة المسندية.

وقد أدى هذا التفاعل عبر المسند والفرشاة إلى نشوء نقاش مثير بين عديد الرسامين المقيمين بلبنان، بقطع النظر عن أصولهم وجنسياتهم. من ذلك يمكن الإشارة إلى السجال بين ستيليو سكامانغا وعادل صغير، خاصة خلال عام 1971. كما ساهم هذا النقاش المثمر في تطور الأقلام النقدية، حيث كان لزاماً عليها مسايرة النسق المتصاعد للتفاعل مع الألوان والأشكال واللطخات على اللوحة المسندية. من ذلك ما كتبه الناقد سمير الصايغ في شأن السجال التجريدي بين هؤلاء الرسامين الفاعلين، ناعتاً إياهم بتوصيف “التجريد الشرقي”، وهو توصيف يثير الكثير من النقاش إلى اليوم.

ميلاد في الشتات والمهجر

بروحه الهائمة المترحلة بين المدن، يبدو الرسام ستيليو سكامانغا شبيهاً إلى حد التطابق بنماذج مماثلة في النبوغ والإبداع، مثل الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي وجبران خليل جبران. فكفافي هام بالإسكندرية حد الوله، وصاغ تجربته الحرة من أزقتها وتنهدات أهلها، بينما جبران خليل جبران طاب له المقام في المهجر الأمريكي، وقسم تجربته بين الرسم والكتابة التأملية، وسلك الطريق الوعر للتفلسف والانعزال لإذكاء تجربته المنشدة بين الرسم والشعر، وقد استعان في ذلك بعشقه المحموم للمربية والفنانة البصرية ماري هاسكل، ومراسلاتهما المنشورة تشرح حجم العطاء الفكري في كنف الحب.

لم يتولد الإبداع من “هيمنة ذكورية” منفرة في سدّة الرسم اللبناني، بل هنالك عدة فنانات مبدعات لبنانيات مثل ماري حداد ببورتريهاتها ومجسداتها الطبيعية، إضافة إلى الفنانة بيبي الزغبي، وهي من الجيل المؤسس في النصف الأول من القرن العشرين. وخاضت الزعبي بدورها مغامرة مذهلة قادتها إلى جنوب أمريكا اللاتينية، في الأرجنتين تحديداً، وعادت الى لبنان سنة 1947.

بنفس القدر والاندفاع دخل ستيليو سكامانغا تجربة رحلية جديدة كان مقصده فيها رفقة عائلته إلى جنيف سنة 1976. بعد إقامات ورحلات متنوعة بين إيطاليا وفرنسا (نيس)، افتتح سكامانغا مكتباً لنشاط حرفة الهندسة المعمارية ليدعم مساره البحثي في مجال الحرف والشكل واللون بعنصر التجسيد المعماري وتخطيط المدن. وحتى بعد إقفال محله الخاص بالتصميم المعماري، اختار سكامانغا الإقامة بمضارب في المهب، أي على الحدود الفرنسية السويسرية، حتى لا ينقطع عن استلهامه من عالم الحركة والإطلالة على أكثر من وطن في الآن نفسه.

ذلك هو عالم سكامانغا المليء بالترحل والحلم والتجريب، عالم يأخذ المتلقي عبر موسيقى خاصة تدفعه إلى مضائق جديدة للروح والخيال. ولئن يعتبر بيانه التنظيري الموسوم بـ “نحو فضاء يترجم أحلام الانسانية حول الشكل”، بياناً قد تجاوزه الزمن نوعاً ما من منظور الفن المعاصر، إلا أنه جدير بالتحليل والنقد، خاصة في ربطه بصلاته المكانية (مدن عاش فيها الرسام) وبشخوصه الفاعلة (مختلف الفنانين المجايلين لسكامانغا وحتى المتفاعلين معه لاحقاً)، وذلك يتطلب جهداً كبيراً للبحث والتقصي والتوليف السردي.

إننا في حاجة دائمة لاستعادة الرسم التجريدي عند سكامانغا، الذي قدمه لنا منجزه المتنوع على أنه أشبه بفضاء مشرع على مفاهيم متداخلة ومتسقة (الحدود، الإطار، الحلم، الفراغ والثقوب والمسطحات). يقوم الرسام في مشغله بعملية تركيبية معقدة، فيها يتم اختراق هذا التعتيم بواسطة النور والبصيرة حتى يتخطى الإنسان معيقاته (الظل، الأشكال النافرة والمحدبة).

تتواصل عملية الإبداع مفتوحة على التأويل، مادام ستيليو سكامانغا حياً بيننا ينتج الدلالات والمفاهيم، وسواء تمت تلك العملية الإبداعية في أفق منظور له من متخيل “البحر الليبي أو “البيروتي” أو يقين البحر المتوسط، ذلك قدر الفنان: الابتكار دون حد أو قيد.

(المصدر: رصيف 22 البيروتية)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*