أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | هل ينقلب الفخفاخ إلى تشي غيفارا ويصدق وعده ؟

هل ينقلب الفخفاخ إلى تشي غيفارا ويصدق وعده ؟

حين ننزع من الكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ التي ألقاها عشية يوم الاربعاء 20 ماي 2020، المحسّنات اللفظيّة والتمنيات والنوايا الطيّبة، نجد أنّ أهمّ ما جاء وما أعلن عنه، يتمثّل في :
أوّلا : الخروج من الحلقة المفرغة لمنوال تنمية غير مجدي.
ثانيا : القطع مع طريقة التصّرف في المال غير الحكيمة
ثالثًا : مواجهة البيروقراطيّة المقيتة التي قتلت أيّ روح مبادرة وأرهقت المواطنين والمؤسّسات
الطعن في «منوال التنمية غير المجدي» وفق منطوق إلياس الفخفاخ ذاته، يعني الطعن في ما هو معمول به منذ بداية السبعينات، أيّ حكومة الراحل الهادي نويرة الأولى، منذ التخلّي عن الاقتصاد المركزي وتبنّي خيار «اقتصاد السوق»، والمسيرة الطويلة التي عرفت هزّات متوسطة (انتفاضة الخبز مثلا)، وصولا إلى الهزّة الكبرى بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011.

منوال التنمية

حكومات ما بعد 14 جانفي، جميعها، وإن حاولت على مستوى النوايا المعلنة والخطاب المعتمد، الحديث عن «العدالة الاجتماعية»، وما هو أوسع «الاستجابة لشعارات الثورة» إلاّ أنّها (وإلياس الفخفاخ كان وزيرا في بعضها) غرقت في ذات منوال التنمية الذي أدّى إلى فيضان الكأس يوم 17 ديسمبر.
تغيير منوال التنمية القائم حاليا، أو حتّى التعديل في مساره بشكل جذري، لا يمكن أن يتمّ بالمفهوم الفعلي والفاعل بمجرّد إعلان رئيس الحكومة عن ذلك.
المرور أو هو الانتقال من منوال التنمية الحالي إلى منوال تنمية يقطع مع المديونيّة كما أعلن إلياس الفخفاخ، يتطلّب :
أوّلا : الانتقال من مجرّد إعلان النوايا من قبل رئيس الحكومة أو أيّ شخصيّة سياسيّة أخرى، إلى مشاورات وطنيّة أوّلا، وثانيا (وهذا الأهمّ) وضع خطّة عمل وانجاز لهذا «الإقلاع».
ثانيا : قراءة موقف القوى الدوليّة ذات المصالح المباشرة في تونس وبالتالي تكون شديدة الاهتمام بما هي قرارات سياسيّة بهذا المستوى، سواء الدول الغربيّة أو المؤسّسات الماليّة الدوليّة.
لا أحد من السياسيين في تونس قادر على القول أنّ التغيير الفعلي والفاعل لمنوال التنمية ممكن أن يتمّ بجرّة قلم أو في لمح البصر، أو يمكن أن يتمّ في يسر وسهولة، أو يمكن أن يتمّ بموافقة القوى الدوليّة ومؤسّسات النقد الدوليّة.
على المستوى الداخلي من الصعب جدّا، دون إرادة سياسيّة صلبة وعزيمة جامعة، تقبلّ تراجع النموّ بنسبة 7 في المائة، أيّ الدخول في نسبة سلبيّة، والآن ذاته الاقدام على تحوّلات استراتجيّة، قوامها (كما قال إلياس الفخفاخ) الاعتماد على «الموارد الذاتيّة»، والكلّ يعلم، أنّ «الاستهلاك» بمعنى دوران عجلة الاقتصاد وتحقيق المؤسّسات للأرباح، أو الادخار وتوفّر السيولة لدى البنوك، في الحالتين مجتمعتين، لا يتوفّر من السيولة ما يمكّن من تحقيق الاستثمارات القادرة على تحقيق نسبة النموّ المطلوبة، لامتصاص البطالة، وما يتبع ذلك من استقرار اجتماعي.

جرأة دون وصفة علاج

حين اعترف رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بأنّ التداين وصل أو بالأحرى أوصل البلاد إلى حافّة الهاوية، يبقى الاعتماد على «الاستثمارات الخارجيّة المباشرة»، التي في معظمها تبحث عن تحقيق أفضل الأرباح في أقصر وقت ممكن، مع وجود بنيّة قانونيّة وتحتيّة تملك القدرة على جلب المستثمر في مجالات التكنولوجيات الحديثة، ذات القيمة المضافة العالية.
تبقى التحالفات الجهويّة والدولية والانخراط الفعلي والفاعل في منظومات تحالف اقليمي ودولي، لا تبدو في الأمد المنظور، حين لم يغادر «اتحاد دول المغرب العربي» حالة الموت السريري التي يحياها منذ سنوات عديدة.
حين ندرس الخطاب منفردًا وجب الاعتراف لرئيس الحكومة بجرأة لا يمكن إنكارها عندما عدّد مواطن الداء، لكن لم نسمع منه بعد توصيف الخطوات الملموسة، للقطع مع منوال التنمية المعمول به، وهل أنّ الشركاء الاجتماعيين (في الداخل) اتحاد الصناعة والتجارة على سبيل المثال، والشركاء الماليين (في الخارج) سيصفّقون عند طرح الفكرة وأبعد من ذلك عند البدء في التنفيذ.
مهما تكن نوايا رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ من وراء ما أعلنه، يمكن الجزم أنّ الرجل لم يطرح (على مستوى الخطاب) مسألة تحمل المواقع الوسطى.
تبقى مسألة لمّح لها إلياس الفخفاخ دون التفصيل فيها، وهي قدرة العمق الشعبي، سواء على الانخراط في برنامجه ومن ثمّة القبول بالتضحيات الضروريّة لهذا التحوّل نحو منوال التنمية الجديد؟
الأخطر يكمن في موقف النخب السياسيّة المتصارعة، وقدرتها (افتراضًا) على وضع خلافاتها بين قوسين (على الأقلّ) للتفرّغ لهذا «المشروع الاستراتيجي» ؟

(نصر الدين بن حديد – شكشوكة تايمز)

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*