أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | قضية فلسطين بين المتناقضات

قضية فلسطين بين المتناقضات

لن يتأثر الصراع العربي الإسرائيلي بسبب قيام بعض السياسيين العرب والأنظمة بتبني وجهة النظر الإسرائيلية المنشورة في تصريحات الخارجية الإسرائيلية. فهذه أبعاد لا تعكس الرأي العام لأن الرأي العام العربي في معظم الدول العربية قلما يسمح له بالتعبير عن توجهاته. لكن التاريخ يقدم لنا الكثير من الدروس. أذكر على سبيل المثال مدى إعجاب نخبة شاه إيران قبل الثورة الإسلامية بإسرائيل، لكن ذلك الإعجاب لم ينقذ نظام الشاه من الثورة، اذ سقط بين يوم وليلة في العام 1979. في السابق كانت العلاقة التركية الإسرائيلية ذات بعد إستراتيجي بينما علاقة تركيا بالعالم العربي كانت محدودة. كل ذلك تغير منذ صعود أردوغان. لهذا فما يطرح اليوم سيصل لطريق مسدود.

إن الصهيونية، وبسبب طبيعتها الاستعمارية والتوسعية، تصطدم مع كل مشروع عربي أو إقليمي يعدل ميزان القوى معها. لقد اصطدمت إسرائيل بمصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات لأن مصر الناصرية شكلت في حينها قوة صاعدة مؤثرة، كما أن إسرائيل هاجمت مصر عام 1956 لمجرد أن مصر أممت ثروتها الوطنية التي تمثلها قناة السويس. لقد هاجمت إسرائيل الأردن ومصر وسوريا في العام 1967. بل ان إسرائيل رمت بعرض الحائط كل أنواع المرونة الأردنية والمصرية والسورية في السابق. لهذا لم تعرف إسرائيل، في تاريخها، كيف تتعامل مع المتساوين أو مع الأقوياء. فالهدوء الذي ساد العلاقة بين مصر وإسرائيل في زمن الرئيس مبارك ثم مع مصر الراهنة منذ مجيء السيسي للحكم مرتبط بفرضية إسرائيلية مفادها بأن مصر لم تعد تشكل تهديدا كبيرا وذلك بسبب ضعف جيشها وبسبب التهاء قادتها بمشروع السلطة والنزاع السياسي الداخلي.

من جهة أخرى إن الاعتقاد بأن إسرائيل سوف تقوم من جهتها بمساندة دول الخليج في المواجهة مع إيران فيه الكثير من الخيال. إن دول مجلس التعاون الست لا تحمل ذات الرؤية تجاه إيران. فهناك من بين هذه الدول من يؤمن بالتهدئة وبناء قاعدة للحوار وهناك من يؤمن بالتصعيد والاحتماء بموقف أمريكي وإسرائيلي يمهد لضربة عسكرية.

لكن الأهم أن نعي بأن الظروف الإقليمية قد تغيرت، وأن إسرائيل فقدت الكثير من قوتها على مدى سنوات الصراع. إسرائيل لم تعرف كيف تتواجه مع حزب الله في 2006 ولا مع مقاتلي القسام في حروب غزة، ولا مع الشبان المقاومين لها في الضفة الغربية. لهذا فإسرائيل في سياق تاريخي يجعلها تعاني من صعوبة مواجهة إيران لوحدها. ويمكن التأكيد بأن الولايات المتحدة نفسها لا مصلحة لديها بحرب مع إيران وهي تعي جيدا بأن المعركة مع إيران إن وقعت ستكون مكلفة.

إن دخول إسرائيل عبر بوابة الأمن والخطر الإيراني إلى منطقة الخليج سيضمن لإسرائيل عدة مكاسب، أهمها عزل بعض دول الخليج عن إمكانية تحقيق حوار بناء مع إيران، كما ستسعى إسرائيل لعزل الخليج عن القدس، وعن مناصرة القضية الفلسطينية. وإن نجح هذا التوجه سيؤدي بالطبع لفراغ إقليمي كبير، وهذا بدوره سيقوي نفوذ كل من إيران وتركيا. إن مقاومة السياسة الإسرائيلية ليست ترفا بل قضية مصيرية تدق على أبواب منطقة الخليج.

لا بد هنا من استعادة مرحلة الحرب العراقية الإيرانية والتي سادها أجواء تفاعل بين النظام العراقي واللوبي الصهيوني. كان اللوبي الصهيوني في واشنطن، في الفترة بين1984-1988، صديقا للسفارة العراقية في واشنطن وذلك بفضل سياسة السفير نزار حمدون. إن الفرضية التي تقول بأن الانفتاح على الصهيونية هو انفتاح على البيت الأبيض والإدارة الأمريكية تحكمت في الروية العراقية في تلك المرحلة. وقد نتج عن هذه الفرضية قيام السي أي ايه بمساعدة العراق بالمعلومات و«الستالايت» والتكنولوجيا في زمن الحرب. لكن بمجرد ما انتهت الحرب تغير الوضع وانسحبت السي اي ايه. تبين مع الوقت أن الهدف الإسرائيلي والأمريكي كان استنزاف كل من العراق وإيران وإضعاف البلدين.
رأينا في السابق كيف تركت إسرائيل حزبي الكتائب والأحرار وحيدين في المعركة بعد عدوانها على بيروت عام 1982. ورأينا في السابق كيف ألقت إسرائيل مسؤولية مجازر صبرا وشاتيلا على الجماعات المسيحية في محاولة منها للتنصل من أي مسؤولية تجاه المجزرة. ورأينا كيف تخلت إسرائيل عن انطوان لحد، في جنوب لبنان في العام 2000 عند سقوط بقية جنوب لبنان بيد حزب الله.

لقد فقد الخليج الكثير من قوته الاستراتيجية في السنوات القليلة الماضية، وهذا يسهم في إضعافه وتفكيكه ووقوعه في فخ تسعى الصهيونية لنصبه للإقليم. فهناك من جهة حصار قطر الذي أدى لأكبر هزة في صفوف مجلس التعاون، وهناك أزمة النفط وأسعاره وبدائله، وهناك التحالف الإماراتي السعودي الذي تجاوز مجلس التعاون في حرب اليمن وحرب ليبيا، وهناك السياسة الكويتية والعمانية المستقلة المحايدة، وهناك السياسة القطرية التي توازن بين حلفها الأمريكي والتركي وبين علاقاتها الإقليمية. وهناك بنفس الوقت التناقض الإماراتي السعودي مع تركيا. فهل يتم جر إسرائيل لهذا الواقع المستنزف والمفكك وإعطاؤها امتيازات ومكاسب؟

في العالم العربي تتبنى الشعوب القضية الفلسطينية، سبب ذلك بسيط للغاية، للقدس مكانة عند العرب والمسلمين وهذا مرتبط بوجدان الناس وحسهم التاريخي والثقافي، وهو مرتبط بنفس الوقت بطبيعة التواجد العربي في فلسطين على مدى 1400 عام، لكن حكم فلسطين من قبل الكنعانيين القادمين من الجزيرة العربية قبل 5000 سنة هو الممهد بالأساس لحكم المسلمين العرب.

إن نزع القضية الفلسطينية من وجدان العالم العربي غير ممكن، خاصة وأن العدالة في الدول العربية هامشية، والفساد منتشر، والظلم سائد، والخطاب الرسمي في معظم الحالات فاقد للزخم وللمصداقية والدقة. ان قضايا المظلومين العرب ممن يتطلعون للعدالة والمشاركة والكرامة متداخلة مع القضية الفلسطينية بصفتها قضية عدالة وحقوق ومواجهة مع امتدادات الاستعمار الاستيطاني.

(شفيق الغبرا – القدس العربي)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*