أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | “المصلحة العامة” في زمن الوباء

“المصلحة العامة” في زمن الوباء

أميركا منخرطة في نقاش عميق وواسع لا يشبه أي نقاش آخر في تاريخنا. نقاش حول ماهية المصلحة العامة إبان الوباء. أو كيف نعظّم المصلحة العامة بأقل الطرق قسوة؟

ومن أجل المساعدة على إبراز هذا النقاش الأخلاقي، اتصلتُ بمايكل ساندل المتخصص في الفلسفة السياسية بجامعة هارفارد. محاضراته حول العدل تابعها باهتمام ملايين الطلبة من حول العالم، وهو الآن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على كتاب جديد حول «لماذا أغفلنا المصلحة العامة؟». استهللتُ مقابلتي معه عبر الهاتف والبريد الإلكتروني بهذا السؤال: ما الذي نقصده بالمصلحة العامة؟

«ساندل»: المصلحة العامة تتعلق بكيف نعيش معا في مجتمع. إنها تتعلق بالقيم الأخلاقية التي نسعى إليها معا، والمزايا والأعباء التي نتقاسمها، والتضحيات التي يقدمها بعضنا لبعض. وتتعلق بالدروس التي نتعلمها بعضنا من بعض بخصوص كيف يمكن عيش حياة جيدة وكريمة. قد يبدو هذا بعيدا كل البعد عما نراه في الحياة السياسية هذه الأيام، ولكن المصلحة العامة، وعلى غرار كل المثل الأخلاقية، شيء محل اختلاف.

«فريدمان»: حسنا، إذا كنا سنتناقش حول ما أهمية المصلحة العامة، فكيف تصف المواقف المتنافسة الحالية؟

ساندل: تأمل الشعارين الرمزيين للوباء: «التباعد الجسدي» و«نحن جميعا على قارب واحد في مواجهة هذا الأمر». ففي الأيام العادية، يشير هذان الشعاران إلى مبدأين أخلاقيين متنافسين — عزل أنفسنا بعيدا بعضنا عن بعض، والتعاون. ولكن من أجل الرد على الوباء، نحن في حاجة إلى الاثنين.

فريدمان: لقد كان ثمة نقاش كثير، وخاصة في بريطانيا قبل أن تقرر في الأخير الإغلاق لثلاثة أسابيع، حول«مناعة القطيع، والمقصود بذلك ترك الكثير من الناس يصابون بالفيروس بسرعة، معظم هؤلاء سيشفون بشكل جيد، وأكثرهم مرضا سيُعتنى به، ولكن في غضون عدد من الأسابيع، سترغِم كتلة مهمة من الناس الذين ستصبح لديهم مناعة الفيروسَ في نهاية المطاف على أن يتلاشى، لأنه لن يكون لديه عدد كاف من الأجسام المضيفة.

فكيف تنظر إلى الاختيارات الأخلاقية بخصوص مناعة القطيع؟

«ساندل»: إن استراتيجية التعاطي مع الوباء من خلال السماح للفيروس بإكمال تطوره والانتهاء بشكل طبيعي في أسرع فترة ممكنة على أمل تسريع «مناعة القطيع»، مقاربةٌ قاسيةٌ تذكّر بالداروينية الاجتماعية؛ أي فكرة البقاء للأصلح. هذه المقاربة النفعية الصرفة بعيدة عن قيمة التضامن، التي تقتضي أن نُظهر من الاهتمام والقلق بشأن من هم ضعفاء وفي حالة هشاشة، قدر ما نُظهره من الاهتمام والقلق لمن هم أقوياء ونافذون.

غير أنني أعي أن خبراء الصحة العامة المسؤولين، يفكرون في سيناريو أقل قسوة.

فريدمان: أجل، الأشخاص الذين كنت أكتب عنهم أو أتابعهم يقترحون استراتيجية تدريجية على مراحل: 1ـ ممارسة التباعد الاجتماعي والبقاء في البيت عبر البلاد لفترة أسبوعين على الأقل، وذلك حتى يُظهر أي شخص مصاب أعراضا في تلك الفترة. الأشخاص الذين يستطيعون التعافي في البيت سيفعلون ذلك، بمعزل عن الأشخاص الأصحاء الذين يعيشون معهم، ومن يحتاجون إلى تلقي العلاج في المستشفى سيطلبونه ويسعون وراءه. 2ـ إلى جانب هذا، سنُجري فحوصات واختبارات أكثر بكثير، حتى نفهم أي المناطق والفئات العمرية هي الأكثر إصابة بالفيروس. 3ـ وحينما يصبح لدينا ما يكفي من تلك البيانات، يمكننا حينها الشروع في إعادة العمال الأصحاء والذين لديهم مناعة إلى أماكن العمل، أو إلى المدارس، بالتدريج مع مواصلة عزل المسنّين أو من ليست لديهم مناعة قوية إلى حين «انتفاء الخطر».

يبدو لي أن حجتهم ترتكز على المصلحة العامة أيضا، فهم يحاججون بأن العمل والصحة العامة للاقتصاد هي مسألة تتعلق بالصحة أيضا، فإذا كان لدينا ملايين الأشخاص الذين خسروا شركات أمضوا حياتهم في إنشائها أو مدخرات أمضوا حياتهم في جمعها، فإنه سيصبح لدينا وباء الانتحار واليأس والإدمان، وهو وباء سيفوق «كوفيدـ 19» فتكا وضررا.

الرئيس دونالد ترامب قال إنه «يود أن تُفتح البلاد، ويتوق لذلك، قبل عيد الفصح» أي في 12 أبريل (نيسان)، أي على بعد أقل من ثلاثة أسابيع. والواقع أنني أقدّر توق الرئيس إلى جعل أكبر عدد ممكن من الناس يعودون إلى العمل. كما أنني أرغب في ذلك أيضا، ولكننا في حاجة إلى هذا النوع من الخطة الوطنية ثلاثية المراحل -بالمعايير الحقيقية للصحة العامة التي يحددها الخبراء وتؤكدها البيانات- من أجل الوصول إلى هناك.

«ساندل»: إذا أعلن ترامب النصر على الفيروس وأعاد الناس إلى العمل بشكل مبكر، بسبب نفاد صبره مع الأزمة الاقتصادية، فإنه سيكون حينها قد تبنى عمليا السيناريو الدارويني الاجتماعي.

«فريدمان»: فهل ينبغي أن نفاضل بين الصحة الطبية والصحة الاقتصادية؟

«ساندل»: لا، ليس بالضرورة. إن الأمر كله يتوقف على ما إن كنا نستطيع إعادة تنظيم الاقتصاد على نحو يخدم المصلحة العامة.

من الواضح أن هذه الفترة تتطلب اقتصادا يوفّر وصولا عاما إلى الرعاية الصحية، وإجازة مرضية مدفوعة الأجر لكل العمال، ودعما اقتصاديا لمن فقدوا وظائفهم، سواء بسبب وباء أو التكنولوجيا أو ظروف أخرى خارجة عن سيطرتهم.

وإليكم فكرة: لماذا لا نفكر في تمديد هذه الحماية الصحية والاقتصادية لكل الأمريكيين في الثمانية عشر شهرا المقبلة، كشرط لإعادة الأمريكيين إلى العمل؟ فربما تساعد مبادرة التضامن هذه على تشكيل عادات جديدة، وتُثبت أنها تستحق أن تتواصل حتى بعد انحسار الفيروس.

(توماس فريدمان – الاتحاد الاماراتية)