أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | وباء معولم يعزز  افتراضية الإنسان !

وباء معولم يعزز  افتراضية الإنسان !

بقلم : شكري الصيفي

بعد ساعات من العمل المسائي الذي يمر أغلبه في رصد وإعادة كتابة أخبار هذا الوباء الطارئ ننهي يوما بدأ متأخرا .. لتكون العودة في بداية ليل شوارعه شبه مقفرة من السيارات والمارة .. في مدينة كئيبة وأضواءها شاحبة، خنق فيها فيروس كورونا لحظات الأنس القصيرة.. عبثية التوقيت وصعوبة الاستمرار في ملاحقة الخوف ومداعبته تجعل من الزمن المنزلي زمنا ثقيلا لا نهاية له..

هذه بضع كلمات تصف مشهدا متكررا لروتين صحفي يومي يتكرر في مختلف بقاع العالم. لكن كيف عولمت الكورونا اخبارنا؟  وكيف ضيقت منافذنا واطلالتنا على بعضنا البعض في رحلة بدأت تنحصر منذ مطلع التسعينات ؟

حين بشرنا آنذاك بعولمة، ردد رافعو شعارها أنها أنهت تاريخ عالم الحرب الباردة وأسقطته كما أطاحت بجدار برلين و فككت الاتحاد السوفياتي .. عندئذ هرع الجميع للمشاركة في وليمة إنهاء عالم قديم وأحياء عالم القطب الواحد، عشرية تسعينية بعولمة وليدة جثمت على القديم والجديد وبعثرت لاءاته ..

وفي مطلع الألفية الجارية استكملت العولمة النيوليبرالية الأميركية سيطرتها، معربدة في كل انحاءه بأجندة استباقية خطها المحافظون الجدد، وفي كل هذه الأطوار كنا، أقصد الشرق والجنوب،  مخبرا وحقل تجارب لأسلحة وافكار ومرتزقة امبراطورية ما وراء الأطلسي. كانوا يسوسونا كامبراطورية الهم وكنا النحن رعية، مستمرين في ذلك حتى زمن الكورونا وما بعده.

متى حصل ذلك ؟ وكيف اصبحنا كذلك؟

لا شيء في أفق الموتى الأحياء أكبر من أن توهب لهم الحياة بمصل أو دواء او آلة أو سلاح ينتظرون شراءه من مستعمر قديم جديد.. ونحن كذلك في لحظة الفيروس ، نعد ارقام الضحايا ونغسل أيادينا ونعقمها ألف مرة قبل أن نختفي وراء خيباتنا التاريخية المتكررة..

مؤلم بل ومقرف أن نستعيد، كجوقة فاشلة في حفل موسيقي رتيب، أجواء الكورونا العربية ، طوابير الخبز والطحين اولا ، للبروليتاريين ومن والاهم من المسحوقين .. تليهم طوابير البرجوازية الصغيرة الصاعدة تراود الصيادلة من أجل قوارير التعقيم والكمامات ..  أما رؤوس الأموال فهم شطار المرحلة يبيعون الوهم للحاكم والمحكوم وآخر همومهم الخبز والصابون.. كمشة من حرامية كل الأزمان يكثفون لؤمهم في لحظات المحن التي تصيب هذه الرقعة، فينهبونها ككنس عاهرات رخيصات لجيوب سكارى ساعات الصباح الأولى ..

في مشهد عربي مماثل، ما الذي يحدث لو اصيب كل هذا العالم العربي العاطل والمعطل بالكورونا ؟ ما الذي سيحدث لو فقدنا جزء من هذا العالم الضائع ؟ الا يكون الكوكب أكثر أريحية وهو يلفظ البعض منا ؟! الم يمت الملايين بالانفلونزا الإسبانية ما بين الحربين ؟ ألم تسحق الملاريا وايبولا والخنازير وغيرهم من الأوبئة القديمة والجديدة ملايين البشر ؟

الوباء “الصيني” كما سماه ترامب معللا وصفه بقدومه من الصين ، بات يتوسع في معقله بولايات أميركا ، بعد أن استوطن القارة العجوز مستصغرا حدودها المتوسطية، والمفارقة أنها الأقرب لنا بعد أن وطأتها أقدامنا قبل قرون وخرجنا منها أذلاء هزائم مدوية، ايطاليا واسبانيا وبعدها فرنسا، يتصاعد فيهم عداد الموت الكوروني بشكل مطرد، فيما يتراجع بمركز انطلاقه الصيني.

لا اعرف لا تقديرا ولا توقعا مدى ما ستحدثه رجة كورونا من قصف عنيف لحدود العقل والهوية والمرض والصحة ، لكن يبدو أنه سيفكك تدريجيا مفهوم التواصل الإنساني والاجتماعي إذا استمر .. فقد عزز الفيروس بقصد او بغير قصد تحول الإنسان إلى كائن افتراضي وعولمت ثقافة المعقمات وكممت افكارنا الخائفة من كل مستجد نستقبله  عبر هذه الأجهزة الصينية والأميركية اللعينة التي تحاصر لحظاتنا .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*