أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | “الأفروسنترية”: استدعاء التراث الأفريقي بين التفريط والإفراط

“الأفروسنترية”: استدعاء التراث الأفريقي بين التفريط والإفراط

“هي شعوب لم تكتشف حتى العجلة، ولم تبنِ إلا الأكواخ، ولم تعرف القراءة والكتابة، ولا الفن المدرك لذاته. فإذا صدر عنها ناتج قد يرى فيه آخرون ملامح ابتكار، كما الأقنعة الطقوسية، استهلكته لتصريف أوهامها ثم أهملته أو أهلكته، فلا يبقى منه إلا ما استنقذه الرحالة من البلاد المتحضرة في ترحالهم. هي مجتمعات على حالها منذ غياهب التاريخ، تغزو وتقتل، ويستعبد بعضها بعضا. فيوم جاءها بحارة مسيحيون من الغرب، وتشاركوا مع الغالبين من سكانها في استعباد المغلوبين، لم يكن في الأمر خروجا عن المعتاد، ربما إلا ضخّ بعض تفاصيل الحضارة في مجتمعات عصية عنها في طبعها. ويوم عاد أحفاد هؤلاء البحارة الغربيين مستعمرين، حاولوا، دون جدوى، تحضير هذه البلاد. وإذ خرجوا منها عند استقلالها، ذهب المتبقي من إنجازهم أدراج الرياح، لتلحق بهم أعداد أهلها إلى بلدان الغرب المتحضرة، بكثير من الإفساد وقليل قليل من المساهمة”.

هذه هي خلاصة السردية الطاعنة بالأفارقة، والتي كانت قد أُلزمت الضمور بفعل ارتقاء الأوجه الثقافية المعنية في الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، قبل أن تعود لتتحرر من قيود “الصواب السياسي”، ويتوارد بعض المستفز المقيت منها حتى في أعلى مواقع المسؤولية. هي سردية خاطئة بتفاصيلها، ساقطة بدوافعها، سواء لجأ إلى أجزاء منها مدير متحف في ألمانيا لتبرير امتناعه عن إعادة الحق إلى أصحابه، أو تسرّب إلى الإعلام غرق رئيس دولة عظمى في مضمون انسجامه معها.

تتجاهل هذه القراءة الطاعنة ممالك النوبة ووادي النيل وحضارة الحبشة ودول الساحل الإسلامية وغيرها من الإنجازات الحضارية لإخراج القارة برمّتها من مفهومها للتطور الحضاري، على قصور هذا التصور موضوعيا واقتصاره على حيّز ضيّق من المكان والزمان. وتنكر على المجتمعات الأفريقية قيمة التراث الشفهي، فيما هي تثمّنه في حالات متطابقة من الماضي الأوروبي المفترض. وتلزم الثقافات الأفريقية بمفاهيمها الطارئة حول الفن والطقوس الدينية والعلاقة مع الطبيعة.

بل في سعي هذه السردية إلى إضفاء سمة الركود على الأفارقة، تبدو غافلة عن حقيقة أن معظم القارة الأفريقية كان خارج إمكانية التدجين لما هو عليه من أحوال طبيعية ومناخية ووبائية فائقة الصعوبة. أي أن أفريقيا، وإن كانت مهد البشرية، لم تكن متاحة للاستقرار السكاني الواسع إلا في الماضي القريب نسبيا، كما تشهد عليه ملحمة انتشار شعوب البانتو، والتي يمكن تقفيها من شمالي غربي القارة إلى أقصى جنوبها.

ما لا بد من الإقرار به، رغم العقود الطويلة من مساعي التفكيك البحثية والعلمية، هو أن السردية الطاعنة، بالعديد من تفاصيلها، لا تزال تحظى بالقبول ضمن الثقافة العامة في الولايات المتحدة، في أوساط نافرة من “السود”، تجد فيها ما يبرر النفور، كما في أوساط أخرى متعاطفة نظريا معهم، إذ تتعامل معهم بأبوية وتسعى بجد وكد للمحافظة على سلامة تقدميتها في صورتها الذاتية، إلى إلقاء مسؤولية التراجع بعيدا عنهم.

بل ما لا بد من الإقرار به، هو أن هذه العقود الطويلة من مساعي التفكيك البحثية والعلمية، رغم ما أنتجته من رصيد مطلوب لمواجهة مقومات السردية الطاعنة، لم ترتقِ إلى تقديم البديل المتماسك. هي حققت ما يُشهد لها ضمن الدراسات الموضعية كما من خلال المساهمات الهامة لتوجهات نقد الاستشتراق ودراسات الهوامش البديلة ومنهجيات ما بعد الحداثة وغيرها من الأدوات. غير أن فشلها في إقرار البديل المقنع وإشاعته يطرح السؤال حول ما إذا كان في الأمر قصور جوهري منهجي لدى الثقافة الحاضنة.

المفكرون والباحثون الأفارقة الأميركيون كانوا طبعا في طليعة المساعي المقاومة، وكذلك في تشخيصهم لما اعتبروه الداء. هي “اليوروسنترية” التي تفترض بأن القارة الأوروبية هي محرك التمدن والعمران في التاريخ البشري، والتي تسقط وتهمل ما يشير إلى خلاف ذلك. “اليوروسنترية” هي إذن الغلو في افتراض المركزية العالمية للحضارة الأوروبية.

فيما اشتد السجال حول “اليوروسنترية”، ما كان بوارد المجتمعات الأفريقية الأميركية، المطعون بثقافتها، بل بقدراتها العقلية وكمال هويتها الإنسانية، انتظار الاستلحاق البحثي المستطيل أبدا لصياغة السردية الإيجابية التي من شأنها تفنيد الطعون. هنا تكمن بذور “الأفروسنترية”.

تبدو “الأفروسنترية” وكأنها الرد بالمثل على “اليوروسنترية”. هي مجموعة توجهات فكرية، من منطلقات وثائقية ووقائعية ومتخيلة وغيبية على حد سواء، تتفق على أن مركز الثقل في التاريخ والحضارة العالميين هو الإطار الأفريقي، وترى، على اختلاف حدة الآراء هنا، أن طمس هذا الأمر وإحلال نقيض له، هو نتيجة علاقة قوة عابرة تمكن من خلالها “العرق الأبيض” من استعباد “السود” ومن الاستيلاء على ثرواتهم وتشويه تراثهم.

فإذا كان في “اليوروسنترية” تفريط بالتاريخ الأفريقي وبالمساهمات الأفريقية في الحضارة العالمية، فإن رد “الأفروسنترية” ليس السعي، بالدليل والبرهان، إلى التوازن والاستقامة في الطرح، بل في الإفراط باستدعاء التاريخ وفي المبالغة بزعم المساهمة للقارة الأفريقية. لا دعوة هنا لليوروسنترية إلى الاعتدال، بل مواجهة للاستكبار باستكبار مضاد.

صهرت “الأفروسنترية”، في أشكالها التي تزعم التكامل، طروحات من مصادر مختلفة. وإن كان للمؤرخ السنغالي “شيخ أنت جوب” الدور الطليعي في طرح الترابط المرغوب بين التاريخ المصري القديم والثقافات الأفريقية المختلفة، فإن سوابق “الأفروسنترية” تستشف في استدعاء التاريخ الحبشي لدى الحركة الراستافارية، وفي استحواز الأفارقة الأميركيين على موروثهم الإسلامي، بالذاكرة والرواية والخيال، كما هو الواقع في جميع الحالات، لإنتاج قراءات عزة واستقلال وإقصاء، تستمر إلى اليوم مع جماعة “أمة الإسلام”.

وقد اشتدت الأفروسنترية مع استجلاب طروحات جديدة من القارة الأفريقية، ولا سيما منها المبنية على المهدية السودانية، وأخرى من المتخيل الكتابي العبري.

أوجّ الأفروسنترية “العلمية” كان في العقود الأخيرة من القرن الماضي، ولا سيما مع صدور كتاب “أثينا السوداء”، والذي كان المناسبة للزخم والتمحيص في السجال بين القراءات السائدة والمتهمة بالـ “اليوروسنترية”، وبين القراءات الجديدة التي تغتمد الأفروسنترية. لم يأتِ هذا الكتاب مصدّقا على طروحات شيخ أنت جوب أو على أسس الأفروسنترية، ولكنه توافق معها في الاعتراض على زعم المتانة والوضوح في طرح اليوروسنترية.

وإذ انحسر هذا السجال في المحافل العلمية، والتي انشغلت بمسائل غير محسوبة مع مطلع هذا القرن، فإن الصورة الجمعية التي خلفتها الأفروسنترية في الثقافة الأفريقية الأميركية، وإن على قدر من الإبهام، هو حول وحدة قارية أفريقية سوداء كانت مهدا للحضارة والثقافة الإنسانية والتاريخ، قبل أن يعتدي عليها “البيض” ويستبيحون خيراتها.

هي ملامح سردية، لا سردية متكاملة. وإذ هي عرضة للنقد والإسقاط من جهات عدّة، فإن غالب هذه الجهات تعتنق بدورها سرديات أهوائية لا تختلف عن شبه السردية الأفريقية الأميركية هذه بانطلاقها من أسس متخيلة أو مفترضة.

المجتمع الأميركي “الأبيض” بخلفيته التي تغلب عليها الأصول الأنكلوساكسونية والألمانية، يطيب له أن يستدعي الحضارة اليونانية القديمة والإمبراطورية الرومانية، كمراجع شكلية وفكرية لموروثه الحضاري. مباني العاصمة الأميركية الرسمية تبدو منقولة عن صروح روما وأثينا، والعملة الأميركية ترصعها العبارات اللاتينية. لا بأس بذلك طبعا، على ألا يطمس هذا الاستدعاء واقع أن أجداد هذه الأعراق “البيضاء” كانوا في زمن تلك الحضارات خارج دائرتها، أو على هوامشها، فيما دائرتها هذه كانت تجمع أجداد من هم يتأستذون إزاءهم من المتوسطيين، مسلمين ومسيحيين، وإن انقطع هؤلاء، بفعل الاندفاع الديني، عن ماضي أجدادهم.

وإذا استقرت، بعد توالي الأجيال، لدى سليل القبائل الألمانية التي جالت عند تخوم الإمبراطورية الرومانية، قناعة بنوة، فكرية وربما نسلية، مع التراث الحضاري الذي اختاره آباؤه المباشرون مرجعية لهم، فالفارق كمي وليس نوعيا، بأن يسعى الأفارقة الأميركيين إلى افتراض التماهي بين أجدادهم في التاريخ الغابر والحضارة الجارة يومئذ والتي ينظر إليها العالم أجمع بمطلق الانبهار، ولا سيما أن الأحفاد الموثقين لهذه الحضارة، مصريي اليوم بمسلميهم ومسيحييهم، منشغلون ببنوة روحية للحجاز وفلسطين، إما تدفعهم إلى إهمال تراث أجدادهم، أو إلى زعم اللقاء، مهما تطلّب الأمر من تراكم المخيلات، بين هذا التراث ومادة انشغالهم.

فالأفروسنترية ليست تفنيدا لليوروسنترية. ولا هي إنهاء لما تقدم عليه أوساط ثقافية عدة، غربا وشرقا، من ربط قسري بين التاريخ الديني والتاريخ الوقائعي. إلا أن الأفروسنترية، في شكليها “العلمي” المتراجع أو الشعبي المتواصل، تبدو جلية في انتهاجها التلفيق، أي جمع المقومات على اختلاف تجانسها أو عدمه.

استجلاء التلفيق دون شك أسهل عند مراجعة طرف ما لقراءة يزعم من خلالها طرف آخر حقوق ملكية في مقومات كان الطرف الأول راكنا إلى استقرارها له. غير أن شبهة التلفيق معدية. المطمئن إلى “اليوروسنترية” يجد في “الأفروسنترية” شطحات. ولكن منهجيته للكشف عن هذه الشطحات وتفنيدها تلزمه مراجعات متعبة.

فالأفروسنترية تدعو من خلال بروزها إلى مراجعة الاعتبارات التي تأسست عليها القراءات اليوروسنترية في الغرب، بصيغها العلمانية كما المسيحية واليهودية.

حال التلفيق، في الحضارة والثقافة والتاريخ والدين، لا يستثني أحد. ومهما شذّب المعاصر أصوله وتاريخه، ليرفع ما يطيب له ويرذل ما يسوؤه، فإن زعم النقاء والصفاء وليد الرأي والهوى.

هو سجال أميركي أولا، غربي ثانيا، غير أنه ذو أبعاد عالمية. فإذا كانت الثقافة الغربية لا تزال إلى اليوم تعاني من مقدار من التداخل بين التاريخ الديني والتاريخ الوقائعي، فإن الثقافة العربية مغمورة بالكامل تقريبا، إلى حد انتفاء إمكانية النقاش، بمقادير من هذا التداخل. وإذا كانت الساحة الفكرية في الولايات المتحدة تشهد مواجهة بين تلفيق “اليوروسنترية” وتلفيق “الأفروسنترية” فإن قيمة التحدي الحضاري الذي تشكله “الأفروسنترية” قد تشهد ارتفاعا هاما يوم يظهر من يعمل دون تورية على تفكيك تلفيق “الإسلاموسنترية” المتوطدة في المحيط العربي.

(حسن منيمنة – الحرة)