أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | عشريات الإضراب في فرنسا: مَنْ يكره الديمقراطية؟

عشريات الإضراب في فرنسا: مَنْ يكره الديمقراطية؟

عمّت فرنسا، ابتداء من يوم أمس، سلسلة إضرابات واسعة النطاق شملت قطاعات النقل والصحة والتعليم والخدمات البلدية والشرطة، تحت شعارات شتى ومطالب متعددة كان أبرزها ملفّ التقاعد بصفة خاصة، على خلفية أعرض تمثلها السياسات الاجتماعية ــ الاقتصادية ذات الصفة النيوليبرالية الواضحة؛ التي يواصل تمريرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومته، وتقرّها أغلبية حزبه في الجمعية الوطنية. ويتفق المراقبون أنّ موجة الإضرابات هذه هي التحدّي الثاني الأكبر الذي تواجهه السلطة منذ تظاهرات «السترات الصفراء»، وقد تصبح التحدي الثاني الأضخم الذي واجهته أية حكومة فرنسية خلال الجمهورية الخامسة، وذلك منذ إضرابات أواخر العام 1995 ضد إجراءات رئيس الوزراء يومذاك ألان جوبيه.
وكان إحساس ماكرون، الذي يشير البعض إلى أنه انقلب عنده إلى يقين، بالانتصار على حركة «السترات الصفراء» عبر ضخّ 19 مليار يورو على هيئة تخفيضات ضريبية لتحسين القدرة الشرائية؛ قد منحه جسارة إضافية للذهاب أبعد في إدخال تعديلات جذرية على أنظمة التقاعد؛ وهي التي تُعدّ «كعب آخيل» في أية سياسات إصلاحية للحكومات الفرنسية المتعاقبة، في صفّ اليمين واليسار على حدّ سواء. وهي كذلك أيضاً في صفّ الائتلاف النيوليبرالي الذي أفرزه فوز ماكرون، ولاح أنه يحتكر منطقة وسطى مشتركة بين الاستقطابين التاريخيين في فرنسا، أي اليمين الديغولي واليسار الاشتراكي. ومع ذلك فإنّ أوجاع فرنسا الاجتماعية والاقتصادية لم تبدأ من فلسفة ماكرون الليبرالية (الشائعة في طول أوروبا وعرضها، على أية حال)؛ وهي ليست مرشحة للنقاهة السريعة، أو العلاج الناجع، إذا أسقطت الإضرابات بعض تلك الفلسفة.
قبل عقد فقط، عمّت فرنسا موجة احتجاجات ضدّ قانون لتنظيم عقد العمل عند التوظيف الأوّل، وسعى رئيس الوزراء دومنيك دوفيلبان (الديغولي، تلميذ جاك شيراك النجيب) إلى الحوار مع النقابات، وإلى التفاوض على قاعدة الأخذ والعطاء؛ مشترطاً (وهنا روح اللعبة!) أن تتمّ المفاوضات تحت سقف مشروع القانون، أي في صيغة مفرغة مفضوحة لم يتأخر الفرنسيون في التندّر عليها، خاصة حين أوحى دوفيلبان أنه يسمع أصوات الذين يحتجون، ولكنه أيضاً يسمع أصوات الذين لا يحتجون! ذلك لأنّ اللعبة إياها، الديمقراطية طبقاً للمعايير المتفق عليها في البلد، كانت تتيح له هوامش المناورة تلك؛ فهو لم يأتِ على ظهر دبابة، ولم يرث الحكم عن أبيه. لم يكن عليه، استطراداً، أن يذعن للملايين التي انتخبت أغلبيته البرلمانية والرئاسية، ثمّ صارت اليوم (أو شرائح واسعة منها على الأقل) تثور عليه، وتعضّ أصابع الندم لأنها سلّمته السلطة.
زميله في الحزب، جوبيه، اعتمد أسلوباً مختلفاً في موجة 1995، إذْ رفض، طوال ثلاثة أسابيع طويلة ممضة، مجرّد الظهور على شاشة التلفزة والتحدّث إلى مواطنيه؛ عن أزمة مستعصية شاملة قلبت حياتهم واقتصادهم الكبير والصغير إلى جحيم، وإلى دوران في حلقة مفرغة. كذلك رفض تماماً فكرة الاجتماع مع ممثلي النقابات ومناقشة مشاريعه الإصلاحية، واعتبر كلمة «مفاوضات» إهانة لا تُغتفر، وتجديفاً بحق السلطات التي منحته إياها الديمقراطية الفرنسية، وليس ديمقراطية عيدي أمين دادا! وبهذا المعنى فإنّ ثلاثة أساليب مختلفة في إدارة الأزمة (بافتراض أنّ أسلوب ماكرون كان رشوة الاحتجاج بيد، والقبض على الهراوة الغليظة بيد أخرى)؛ لم تنفع في الحدّ من تكرار روحية احتجاج عَشْرية تقريباً، بين 1995 و2006 و2016.

في موجة 1995 توفّر فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي كبير، هو بيير بورديو، انخرط في قلب الحراك الإضرابي واجتمع مع القيادات النقابية؛ ليس قبل أن يحاول وضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، وفي غيابها إذا اقتضى الحال. جانب جوهري ثانٍ كان، وما زال، يتصل بالقلق حول الهوية، وبالذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض، وبالحذر من متغيرات عاتية تأخذ الفرنسي على حين غرّة وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بورديو.

ومنذ أحداث عام 1968 الطلابية التي أسقطت شارل دوغول عن عرش مكين، والتي لا يلوح أنها سوف تغيب البتة عن أذهان الطلاّب المتظاهرين في أيّ يوم، وفي هذه الأيام أيضاً؛ تبحث فرنسا عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية للخروج من حال تأرجح طويلة بين الماضي والحاضر، وبين تراث الجار الألماني على مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي ما وراء المحيط. لعلّ هذا هو السبب الذي دفع موقع «ميديابارت»، الاستقصائي المستقلّ، إلى استفتاء فيلسوف آخر هو جاك رانسيير، سبق له أن ناقش معضلات فرنسا الاجتماعية والسياسية على خلفية عسر الديمقراطية، أو بالأحرى «كراهية الديمقراطية» كما يقول عنوان واحد من أشهر أعماله. لقد انقضت 15 سنة على تاريخ صدور ذلك الكتاب، فما الذي تغيّر على أصعدة اللليبرالية الجديدة وأيديولوجيتها، يسأله الموقع؟ «الكراهية الفكرية للديمقراطية باتت أكثر فأكثر تتخذ صفة المرافق الإيديولوجي للتطور المدوّخ في انعدام المساواة بكلّ أنساقها، وفي تفاقم القوّة البوليسية ضدّ الأفراد»، يجيب رانسيير، ولا يتردد في إقامة التناظرات بين ساحات الاحتجاج في تشيلي وهونغ كونغ وباريس وأمكنة أخرى من العالم الراهن، مقابل التناظرات بين أمثال ترامب وسالفيني وبولسونارو وأوربان… وذلك، تالياً، لا يلغي اشتغال الشعبوية في صعود الهيمنة والاحتجاج والزعامات: «إذا كانت حكوماتنا تزداد تسلطاً يوماً بعد يوم، وتعاني مجتمعاتنا من انعدام المساواة أكثر فأكثر، فذلك عائد أيضاً إلى الضغط الذي يمارسه أولئك الأشدّ فقراً لأنهم بطبيعة الحال في عداد الأكثر جهلاً والأمسّ حاجة إلى الزعامات».

وفي فرنسا هذه الأيام، كما في ماضي أيام الاحتجاجات العشرية الكبرى، ثمة نقص منطقي فادح بين أن يذهب الفرنسي إلى صناديق الاقتراع ليضع أغلبية مطلقة (ودكتاتورية في الواقع، لأنها صاحبة قرارها الأوحد دون حسيب أو رقيب)، في قصر الإليزيه والبرلمان (كما فعل مع ماكرون وحزبه)؛ وبين أن يتظاهر بالملايين ضدّ ممارسة هذه الأغلبية ذاتها لسياسات وقوانين وتشريعات كانت في صلب برامجها، ولعلها علّة وجودها وضمان استمرارها في الحكم. وثمة هوّة فاغرة مماثلة بين شغف الفرنسي بدور القوّة العظمى الذي يتوجب أن تلعبه فرنسا على صعيد عالمي عسكري وسياسي واقتصادي (كما يفعل ماكرون، وقبله فعل شيراك وفرنسوا ميتيران وديغول)؛ وبين الذعر وتحسّس الرأس، لأنّ السوق المالية الكونية (وهي أكبر الجميع، والعملاق الأوّل بلا منازع) يمكن أن تجرّد الفرنسي من تقاعده وتعويضه الصحي وتعليمه الجامعي.

فهل يصحّ، بهذا المعنى، التفكير في احتمال نقل الاحتجاج إلى صيغة أقرب إلى «عصيان مدني» ضدّ مشاريع قوانين يعتزم إصدارها برلمان شرعي منتخب، في نظام ديمقراطي حر؟ وهل يندرج هذا ضمن الحقوق «الانشقاقية» لمواطن مارس حقّه الأنتخابي الأقصى، فانتخب ممثله إلى الهيئة التشريعية الأعلى في البلاد، بحرّية مطلقة؟ وسوى الالتزام المطلق، ما هي واجبات المواطن تجاه القوانين التي يشارك في صناعتها ذلك الممثل، وقد انتخبه المواطن لكي يقوم بهذا الدور تحديداً: صناعة القوانين؟
تلك أسئلة/ معضلات قائمة اليوم، وسبق لها أن عششت في صميم الأنظمة الديمقراطية على اختلاف أنماطها؛ ما خلال أنّ تسخير الديمقراطية لصالح البرامج النيو ــ ليبرالية التي تذهب ببعض، أو حتى الكثير، من روحية التعاقد الديمقراطي بين المحكوم والحاكم، هي الوجهة الأخرى لصناعة انعدام المساواة، وتكريس كراهية الديمقراطية. وهنا قد يستوي الكاره والمحبّ معاً، في الذهاب إلى الإضراب أو في كفالة حقّ المضرب!

(صبحي حديدي – القدس العربي)