أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | انتخابات 2019 وأثر الفراشة

انتخابات 2019 وأثر الفراشة

نظريات الفوضى (les théories du chaos) هي نظريات هامة ومعروفة في ميدان الفيزياء وتهتم بمسارات الأنظمة الديناميكية (les systèmes dynamiques) .وقد عرفت هذه النظريات تطورات كبيرة ومتوقعة منذ سبعينات القرن الماضي نظرا لظهور تطورات كبيرة وغير متوقعة في عديد الظواهر الطبيعية والفيزيائية . ودفعت هذه التطورات إلى الاهتمام أكثر بمسائل التطور العشوائي وعدم الوضوح وغياب القدرة على التوقع واستباق تطور الأنظمة والأنساق الطبيعية والفيزيائية .

وهذه المظاهر والاهتمامات ليست بجديدة عند الفيزيائيين .فقد أشار عالما الفيزياء الفرنسيين لابلاس(la palace) في القرن الثامن عشر وبوانكرا (Poincaré) في القرن التاسع عشر إلى أن الأنظمة الأكثر انتظاما يمكن أن تعرف تطورات بصعب التنبؤ بها ومعرفتها قبل حصولها . إلا أن تطورات المدارس الفيزيائية والثقة العمياء في العلم التي صاحبتها وقدرته على قراءة وفك شفرات كل أسرار الطبيعة والكون جعلت النظريات النسبية تتراجع بطريقة كبيرة .ولم تتمكن هذه النظريات من العودة إلى اهتمامات العلم والعلماء إلا في سبعينات القرن الماضي عندما بدأت تظهر التطورات المفاجئة للتغييرات الكبيرة في الظواهر الطبيعية والتي لم يكن بالإمكان التنبؤ بها بالرغم مما عرفته نظريات استطلاع التطورات الطبيعية والآلات والتقنيات المستعملة من تطور غير مسبوق .

وقد عرفت هذه السنوات تطورا كبيرا لنظريات الفوضى وعرفت الكتب المختصة في هذا المجال نجاحا كبيرا لتصبح من أهم المبيعات في العالم .واذكر من هذه الكتب على الأقل كتابين مهمين عرفا نجاحا منقطع النظير على المستوى العالمي.الأول هو للباحث James Gleick (جامس قليك) بعنوان «la théorie du chaos» (نظرية الفوضى) والذي صدرت ترجمته الفرنسية سنة 1989 عن دار Albin Michel الفرنسية والثاني للباحث Ivan Ekeland (ايقار ايكلند) وهو بعنوان «le chaos» (الفوضى) والصادر سنة 1995 عن دار النشر Flammarion في باريس – ولئن تختلف التيارات المنتمية لهذه النظريات في منطلقاتها وفرضياتها فإنها تلتقي في التأكيد على صعوبة التنبؤ وتحديد مسارات أي ظاهرة طبيعية بطريقة قاطعة ونهائية .

ولعل من أهم نظريات الفوضى تلك التي قدمها عالم الارصاد الجوي الأمريكي ادوارد لورنز(Edward Lorenz) والمعروفة بأثر الفراشة أو (l’effet papillon) . وقد قدم لورنز هذه النظرية في محاضرة أمام الجمعية الأمريكية للعلوم المتقدمة سنة 1972 تحت عنوان
«Predictabiblity :Does the flap of a butterfy wings in Brazil set off a torrado in Taxas»

أو «التنبؤ : هل يمكن لخفقان جناحي فراشة في البرازيل أن تقود إلى إعصار في ولاية التكساس الأمريكية ؟» وقد أثارت هذه المحاضرة الكثير من الاهتمام في الميدان العلمي لتصبح إحدى التعبيرات الأكثر استعمالا في نظريات الفوضى.وبالرغم من اختلاف القراءات والتفسيرات، فان نظرية اثر الفراشة تهتم بقراءة وتحليل التطورات المفاجئة والتي يصعب التنبؤ بها وقراءتها مسبقا عن الظواهر الطبيعية حتى الأكثر حتمية منها . وقد أنتجت نظرية اثر الفراشة ما يسميه علماء الفيزياء بعلم الفوضى الحتمية (chaos déterministe).

ولم يقتصر استعمال نظريات الفوضى واثر الفراشة على العلوم الفيزيائية بل امتد كذلك إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية لقراءة وفهم التطورات والتحولات المجتمعية الكبرى . ويمكن لنا استعمال هذه النظريات لقراءة وفهم تحليل انعكاسات نتائج الانتخابات التشريعية على مستقبل التحول الديمقراطي في بلادنا .

وستفضي هذه النتائج الى حالة كبيرة من عدم الاستقرار وعدم اليقين والتردد والشك حول مستقبل التحول الديمقراطي في بلادنا . ويمكن لنا تقديم الكثير من الأسباب التي تفسر هذه الحالة والوضع الذي وصلت اليه ديمقراطيتنا الناشئة. ولعل المصدر الأول للقلق وحتى الخوف والانزعاج يخص مستوى المشاركة في الانتخابات التشريعية لـ6 اكتوبر 2019 والتي لم تتجاوز %41- وهذه النسبة في هبوط مستمر مقارنة بالدورة الأولى للانتخابات الرئاسية حيث بلغ التراجع مستوى تسع نقاط كاملة . ويشمل هذا النفور بصفة خاصة الشباب والذين لم يتحولوا باعداد كبيرة الى مراكز الاقتراع بالرغم من الدعوات الملحة التي وجهتها هيئة الانتخابات وعديد الفاعلين السياسيين والناشطين في المجتمع المدني طيلة يوم الانتخابات . وهذا النفور من الانتخابات شهد أرقاما أهم ونسبا مرتفعة في الجهات الداخلية التي لم تغنم شيئا الى اليوم من هذه التجربة الديمقراطية وفقدت الأمل في تحقيق آمالها وأحلامها وحتى مطالبها الآنية من هذه الثورة في التكافؤ والمساواة .وتعبر هذه النسبة الضعيفة للمشاركة عن خيبة أمل كبرى عند الشباب والكثير من الفئات الشعبية وفقدان ثقة في المؤسسات الديمقراطية والتي ستشكل عنصر عدم استقرار وتقلبات كبيرة ستؤثر على مسارات التحول الديمقراطي .

يكمن العنصر الثاني لأثر الفراشة او لعدم الاستقرار في التشتت الكبير الذي سيعرفه المجلس النيابي القادم .

فعدد نواب الحزبين اللذين أتيا في المقدمة لا يصل إلى نصف نواب مجلس نواب الشعب . وسيشكل هذا التشتت عاملا هاما لعدم الاستقرار باعتبار أنه لن يمكن من تكوين أغلبية مريحة يمكن لها ان تدعم حكومة قادرة على القيام بالإصلاحات الأساسية وإخراج بلادنا من الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي نمر بها منذ سنوات . وحتى لو نجحت الأحزاب الكبيرة الممثلة في البرلمان في تكوين أغلبية فإنها ستظل هشة وضعيفة وغير قادرة على الصمود في وجه الهزات والأزمات .

ولعل العنصر الأهم في عدم الاستقرار والخوف المهيمن هو التغيير الجذري الذي عرفه المشهد السياسي في بلادنا بعد الثورة .فالحزب الذي فاز بانتخابات 2014 انقرض وغاب نهائيا من الساحة السياسية اثر هذه الانتخابات التشريعية .وقد ساهمت الصراعات الداخلية والمعارك الطاحنة والانشقاقات التي عرفها في افول نجم نداء تونس وغيابه عن الساحة السياسية .

كما أن الأحزاب التي انشقت عنه كحزب مشروع تونس وحزب بني وطني لم تتمكن من أن تكون الوريث للنداء التاريخي واستقطاب ناخبيه .كما أن حزب تحيا تونس وبالرغم من الإمكانيات الهائلة التي سخرها في وقت قياسي لم يتمكن من الصمود أمام الطوفان الذي عصف بالعائلة الوسطية والحداثية .كما أن هذا الإعصار ضرب كل الأحزاب الأخرى في هذه العائلة .

ولم ينج من العائلة الوسطية الا الحزب الدستوري الحر وريث التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل والسنوات الأخيرة لنظام بن علي . ويحمل هذا الحزب نظرة ورؤيا جذرية للحداثة وللمشروع الإصلاحي، والتي تعود إلى أصول المشروع الدستوري الذي بدأه بورقيبة وواصل بن علي على خطاه والذي يرفض كل شكل من أشكال التعامل مع الإسلام السياسي .وينخرط هذا الاتجاه في نظرة جذرية للحداثة والتي ترفض كل توافق مع الماضي والتقاليد البالية والتي يحملها ويدافع عنها الإسلام السياسي .

ومن جهة أخرى فان حركة النهضة حتى وإن تمكنت من المحافظة على الريادة فإنها فقدت الكثير من القوة الانتخابية التي تحصلت عليها في انتخابات 2011 و2014.فعدد ناخبيها وعدد نوابها ما انفك يتراجع مما يشير إلى الصعوبات التي تمر بها الحركة الاهم للاسلام السياسي في بلادنا .وبالرغم من قدرتها على المحافظة على وحدتها بالرغم من تصاعد الخلافات داخلها،فان هذا الحركة بدأت تعرف تنافسا كبيرا على يمينها مع تصاعد الحركات الراديكالية للإسلام السياسي وتزايد تأثيرها. فقد عرفت الانتخابات التشريعية الأخيرة صعود ائتلاف الكرامة وعديد الحركات الإسلامية الراديكالية الأخرى والتي تزايد تأثيرها لتصبح منافسا عنيدا لحركة النهضة. وهذه المنافسة قد ترفع الإسلام السياسي الى مواقف أكثر جذرية بعد سنوات التوافق مع حزب النداء اثر انتخابات 2014.

وفي نفس الوقت لابد من الإشارة الى ظهور وبروز ثلاث قوى سياسية جديدة في بلادنا اثر الانتخابات التشريعية لـ2019.الأولى تهم حزب قلب تونس الذي غنم من الشعبية الكبيرة التي ربحها مؤسسه نبيل القروي في السنوات الأخيرة .كما نشير كذلك الى صعود حزب التيار الديمقراطي والذي تمكن من تحسين وتدعيم تواجده في البرلمان .كما أكدت هذه الانتخابات صعود الاتجاه القومي في بلادنا مع النتائج الهامة التي عرفها مرشحه الصافي سعيد في الانتخابات الرئاسية والنجاح الكبير لحركة الشعب في الانتخابات التشريعية .

إلى جانب التشتت الكبير الذي سيعرفه المجلس النيابي القادم فان أزمة القوى التقليدية والتي هيمنت على المشهد السياسي بعد الثورة والتي سعت إلى إدارة التحول الديمقراطي بطريقة توافقية بين القوى الوسطية والإسلام السياسي ووصول قوى سياسية جديدة وجذرية يشكل عنصرا مهما لعدم الاستقرار والاضطرابات التي قد نعيش على وقعها في السنوات القادمة .

إن تراجع الثقة في الانتخابات والهشاشة والتشتت الكبيرين اللذين سيميزان المجلس النيابي القادم ستشكل عناصر كبرى لعدم استقرار الذي قد يهدد تجربة التحول الديمقراطي في بلادنا .ويبقى السؤال الأساسي في رأيي : كيف يمكن أن نحد ونخفض من اثر الفراشة كما يقول العالم ادوارد لورنز ونقلص بالتالي من عناصر عدم الاستقرار والتقلب في تجربتنا السياسية الناشئة؟ في رأيي فان احد الحلول يكمن في صياغة برنامج اقتصادي واجتماعي هدفه الخروج من الأزمة الاقتصادية وتحقيق استحقاقات ومطالب الثورة وإعادة الأمل في قدرة الدولة على الخروج من حالة التهميش من خلال بناء عقد اجتماعي جديد يحظى بدعم واسع في البرلمان وعلى المستوى الشعبي .

(حكيم بن حمودة – المغرب)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*