أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | لا أحد يكاتب صناديق الاقتراع في أفغانستان

لا أحد يكاتب صناديق الاقتراع في أفغانستان

كلاهما، الرئيس الحالي أشرف غني ومنافسه الأبرز رئيس السلطة التنفيذية عبد الله عبد الله، زعم الفوز في الانتخابات الرئاسية الأفغانية، حتى قبل شهر ونيف من الموعد المحدد لاختتام فرز الأصوات وإعلان النتائج النهائية (يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تحديداً)؛ ورغم أنّ المعطيات المتوفرة (وهي قليلة نادرة، في كلّ حال)، لا تشير إلى أنّ أياً من المرشحين سوف يتخطى نسبة الـ50٪ المطلوبة لإعلان الفائز. وبمعزل عن التفاخر الشخصي وادعاء الزعامة، فإنّ تصريحات غني وعبد الله تنذر باحتمال تكرار ما جرى في الانتخابات السابقة، سنة 2014، حين أصرّ الرجلان على فوزهما، واضطرت الولايات المتحدة إلى ترئيس الاثنين معاً عن طريق ابتكار بدعة الرئاسة (غني)، والسلطة التنفيذية (عبد الله).
وهذه الحال ليست آخر أوجاع انتخابات رئاسية كانت قد تقررت وتحدد تاريخها، ولكنّ أحداً لم يكن يعرف ما إذا كانت ستجري بالفعل في موعدها؛ بالنظر إلى أنّ مصيرها كان مرتبطاً بمفاوضات الدوحة بين الإدارة الأمريكية والطالبان، وظلّ معلقاً على جهود المبعوث الأمريكي زلماي خليلزاد حتى بعد إعلان الرئيس الأمريكي تعليق المفاوضات ثمّ وقفها. وأمّا بعض أبرز أوجاعها فإنها تبدأ، بضرورة المنطق الإنساني والسياسي والعسكري، من هشاشة السلطة المركزية في أفغانستان؛ وتمرّ بتقلّب الخيارات الأمريكية، بين البقاء الميداني/ أو تخفيض العديد، أو التفاوض مع الطالبان، والانسحاب التدريجي؛ ولا تنتهي مع حقيقة ظروف الاقتصاد والخدمات والبطالة، في بلد تعيش نسبة 55٪ من سكانه على أقلّ من دولارين يومياً.
وهذه حال تعيد تكرار الكثير من عناصر انتخابات 2009، قبل انتخابات 2014 وأسوة بها، لجهة خلاصة أولى كبرى هي أنّ الشعب الأفغاني سوف يكون الخاسر في كلّ حال، وأياً كانت هوية الفائز في الانتخابات. ولعلّ من الإنصاف المصادقة على وجهة النظر التي تقول إنّ اسم الفائز ليس هو المهمّ، بل الأخطر على حاضر ومستقبل أفغانستان هو كيف سيتقبّل الخاسر النتيجة، إذا تقبلها أصلاً؛ وهل سيستنفر القبائل والعشائر والمذاهب التي ساندته، التي لن ترفع لافتات الاحتجاج بل ستُشهر الكلاشنيكوف والرشاش الثقيل وقاذف الآر بي جي! البلد مسلّح عن بكرة أبيه، وليس أسهل على القبائل من تجنيد أبنائها في أية لحظة، ومن المحال أن يرضى الجميع بنتائج الانتخابات إذا كانت الدلائل كلّها (ابتداء من الحبر الانتخابي الذي يغسله الماء حتى من دون صابون، وانتهاء ببيع بطاقات التصويت المختومة في الأسواق الشعبية) تقود إلى احتمالات التزوير.

حقيقة أخرى هي أنّ المتنافسَيْن الرئيسيين، بين 18 مرشحاً، سبق لهما أن شغلا مواقع وزارية إدارة حامد كرزاي، رئيس أفغانستان طوال 13 سنة ومدلل واشنطن؛ تتلاقى مع حقيقة ثانية أشدّ دلالة، هي أنهما ليسا من فئة التكنوقراط، فحسب؛ بل تخرّجا من جامعات أمريكية أو فرنسية، وعملا في هيئات عالمية كبرى مثل البنك الدولي. كذلك فإنّ فضيلة ما يحمله كلّ منهما على صعيد الحصيلة العلمية والمهنية، ظلّ يحجبها نقصان التجربة على صعيد الحياة اليومية والهموم المعيشية لإنسان أفغانستان ما بعد الغزو الأمريكي وسقوط حكم الطالبان. وأمّا المؤشر الأهمّ، فلعله حقيقة أنّ غني، مثل كرزاي، يحمل… الجنسية الأمريكية!

هذه، وعوامل أخرى مختلفة المحتوى والأثر والنطاق، تواصل إعادة إنتاج المشهد الأفغاني كما تبدى خريف 2001، عقب الغزو الأمريكي للبلد؛ حين لاح أنّ عودة الموسيقى إلى شوارع كابول، ومسارعة الشبان إلى قَصّ اللحى، وتهافت أبناء القبائل على تبديل الولاءات والبنادق من صفّ إلى صفّ ومن كتف إلى كتف… هي أوضح علائم انتصار الولايات المتحدة في أولى جولات «الحرب ضدّ الإرهاب»، كما قيل لنا آنذاك. ورغم أنّ عودة الموسيقى إلى آذان الأفغان ليست بالأمر التافه بالطبع، فإنّ المرء لم ينتظر من أمريكا أن تذهب إلى الحرب دفاعاً عن غاية ثقافية مثل هذه.

ثمة، إذن، عمل كثير كان ينتظر الولايات المتحدة، وحليفاتها بالطبع. وتلك، في عبارة أخرى، كانت بداية إعادة إنتاج ورطة الجيش الأحمر السوفييتي هناك: مستنقع حروب العصابات، وحروب الطوائف، وحروب القبائل. ذلك لأنّ أفغانستان تلك الحقبة، مثل معظم خصائص أفغانستان ما بعد حكم الطالبان والكثير من خصائصها اليوم، لم تكن تبدو مختلفة كثيراً عن أفغانستان ما بعد انسحاب السوفييت في عام 1989. إنها، بصرف النظر عن مظاهر الشكل، ما تزال إمارات مبعثرة قائمة على الولاءات الإثنية والقبائلية أكثر من الخطوط الإيديولوجية والتيّارات الحزبية، وعلى تجارة المخدّرات والسلاح أكثر من أيّ اقتصاد وطني أو حتى عائلي.

وهكذا فإنّ الأسئلة القديمة واصلت إعادة إنتاج نفسها تباعاً، وكأننا أخذنا نعيش مرحلة ما بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي وسقوط نظام نجيب الله: أيّ أفغانستان كان يريد «العالم الحرّ» بعد الطالبان؟ وأي أفغانستان يريد اليوم، إذْ تعود مجموعات الطالبان إلى الواجهة مجدداً، ليس من بوّابة الأمن فحسب، بل من بوّابة المعادلات السياسية الداخلية والتفاوض مع القوّة الغازية، التي يحدث أيضاً أنها القوّة الكونية الأعظم؟ وكيف لا يجيز المرء الرأي القائل بأنّ حوار واشنطن مع الطالبان هو اقرار صريح بأنّ الذي انتصر لم يكن كرزاي أو غني أو عبد الله أو قلب الدين حكمتيار؛ أو أيّ من أحزاب وميليشيات وقبائل البشتون والطاجيك والأوزبك والهزارة؟

ولأنّ معظم المجموعات القبائلية والإثنية قد فشلت في الارتقاء إلى مستوى الحدث ومسؤولياته، فإنّ أفغانستان ظلت تواجه مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط إثنية ومذهبية وقبائلية تُجهز على ما تبقّى من وحدة اجتماعية ــ سياسية في طول البلاد وعرضها؟ وكيف يمكن للانشطار السنّي ــ الشيعي أن يؤثّر على العلاقات الإيرانية ــ الباكستانية خصوصاً؟ وأين ستقف الولايات المتحدة، والقوى الغربية عموماً، من مسألة تقسيم واقتسام النفوذ الإقليمي بين روسيا والصين والباكستان وإيران والهند وتركيا الجمهوريات الإسلامية المجاورة؟ وما مصائر ستراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، بالمقارنة مع مزاج خَلَفه دونالد ترامب… وتحديداً في هذه السياقات الراهنة التي تعصف بالبيت الأبيض؟

وفي هذا الصدد لا يصحّ، تاريخياً وأخلاقياً، نسيان مباركة البيت الأبيض للمؤسسة الجهادية (التي نشأت ضمن سياق محاربة السوفييت والشيوعيين في أفغانستان، وتحوّلت سريعاً إلى مؤسسة استثمارية استحقّت بالفعل اللقب الساخر Jihad Enterprise International)؛ قد أنتجت شبكة مصالح اقتصادية ومالية واسعة النطاق، تتاجر بالسلاح والسلع المهرّبة والمخدّرات أساساً. ومنذ عام 1988 كانت مجلة The Nation الأمريكية قد كشفت حقيقة تغاضي المخابرات المركزية عن عمليات تهريب المخدرات في الشاحنات الأمريكية ذاتها التي تنقل السلاح والمؤن للمجاهدين من ميناء كاراتشي إلى بيشاور. وحين كان نظام كابول المحاصَر لا يستورد سوى النزر اليسير من الأغذية والأدوية ومقتضيات العيش الضرورية، ظلّت تجارة المخدرات ناشطة ومزدهرة ومحميّة. أمّا المسؤول الأمريكي الذي كان وراء إعطاء التوجيه بالتغاضي عن عمليات التهريب تلك، فلم يكن سوى جورج بوش الأب، من موقعه في رئاسة الوكالة القومية لحظر المخدرات!

ولأنّ نسبة التصويت لم تتجاوز الـ20٪، وليس فقط بسبب أعمال الطالبان الإرهابية والهجمات على مراكز الاقتراع، بل لأنّ المواطن الأفغاني لم يعد مكترثاً بلعبة الكراسي الموسيقية بين أفراد الطغمة ذاتها؛ فإنّ الانتخابات الرئاسية تبدو مفتقرة إلى مَنْ يكاتبها وطنياً، سواء على صعيد البلد، أو حتى إقليمياً وعالمياً؛ وبالتالي لكلّ أن يعلن فوزه على هواه، فلن يعبأ بأخباره إلا القلة من أفراد بطانته.

(صبحي حديدي – القدس العربي)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*