أخر الأخبار
الرئيسية | رأي | حين تفتقد القوة المكابح

حين تفتقد القوة المكابح

(1)

لم يكن من الممكن تطوير صناعة السيارات بدون تطوير المكابح (الفرامل)، زيادة قوة المحرك وسرعة السيارة لابد أن يقابلها تطوير نظام الفرامل ليكون قادرا على إيقاف المركبة عند الضرورة مع بقائها فى وضع الثبات دون أن يتعرض سائقها للخطر نتيجة انقلابها.

(2)

القوة بدون مكابح شر مطلق، وكذلك السلطة، أدرك الإنسان مبكرا تلك الحقيقة، حتى قبل الرسالات السماوية التى وضعت للإنسان مسارا أخلاقيا كابحا لغرائزه الفطرية، كان هناك دائما فى المجتمعات القديمة كهنة وسحرة ورواة أساطير استطاعوا إقناع العامة بقواعد تسمح باستمرار الحياة بسلام بين أفراد المجتمع، مثلت الأساطير الصراع الأزلى بين الخير والشر وتطرقت لقواعد السلامة والنجاة.

(3)

ورثنا جينات القدماء وتجاربهم، وتطورت المجتمعات لتصبح دولًا، لها دساتير تمثل العقد الاجتماعى بين مواطنيها، وقوانين تنظم عمل السلطات المختلفة لتحقيق التوازن ومنع احتكار سلطة كل القوة. تطورت القوانين بما يلائم الزمن وضمنت حقوق المواطنين واطمأنت لوجود كوابح قوية تسمح للمجتمع أن يطور قدراته على التحديث والتسارع نحو المستقبل، نفس فكرة تطوير قوة محرك السيارة ورفع سرعتها. الدول التى عجزت عن تطوير كوابح للقوة التى تحاول التحكم فى تطور مجتمعاتها وتحديثها لتبقيها على النمط القديم ظلت على حالها وتخلفت عن العصر.

(4)

أثناء الحرب الباردة والصراع الأيديولوجى بين المعسكرين الشرقى والغربى، كانت هناك مبررات للصراع يتم الترويج لها، بالنسبة للغرب كان صراعا بين الحرية وتكميم الأفواه، بين الديمقراطية والشمولية المستبدة، بين الإيمان والإلحاد، على الجانب الشرقى كان صراعا بين طبقة البروليتاريا المطحونة وأصحاب المال الجشعين، بين التفكير الإمبريالى واستقلال الشعوب، بين المساواة والعبودية. بعد انهيار الاتحاد السوفيتى انتهى الصراع الأيديولوجى بانتصار الرأسمالية وتحول اقتصاد السوق لديانة عالمية. ولم يعد هناك مبرر أيديولوجى للصراع التنافسى الاحتكارى بين القوة الأعظم «أمريكا» وغيرها.

(5)

ظل شعار «الحلم الأمريكى» يراود العالم كله، أرض الأحلام التى تتسع للجميع، ويمكن لأى شخص أن يحقق فيها الثروة والشهرة، وحتى الوصول إلى البيت الأبيض، هذا الشعار الرحب تقزم ليصبح «أمريكا أولا». اندفعت أقوى قوة فى العالم بغريزتها السلطوية وبدون كوابح لتدمر كل قواعد التوافق العالمى، أعطت إسرائيل الحق فى القدس وضم الجولان وأراضى الضفة الغربية، خرجت من الاتفاق النووى الإيرانى واتفاقية المناخ ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع روسيا، تبرأت من اقتصاد السوق وفرضت سياسة حمائية على حلفائها وخصت شريكتها التجارية الصين بالقدر الأكبر من الضرائب وصنفتها دولة متلاعبة بالعملة، زادت من العقوبات الاقتصادية على إيران وكل من يتعامل معها، جمدت جميع أصول فنزويلا فى أمريكا، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية التى قررتها سلفا بعد أن فشلت فى إزاحة مادورو وتنصيب حليفها جوايدو، هددت تركيا بعقوبات بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوى الروسية «إس- 400»، كما أقرت إحدى لجان الكونجرس مؤخرا مشروع قانون يفرض عقوبات على الشركات والأفراد المتعاملين مع خط أنابيب غاز «نورث ستريم 2» الذى سينقل الغاز الطبيعى الروسى إلى ألمانيا.

(6)

ما ذكرته فى الفقرة السابقة بعض من كثير يوضح سرعة واندفاع آلة القوة الأمريكية خوفا من فقدان مكانتها، وإن لم يجد جديد فستتعرض الآلة الأمريكية لحادث مأساوى عند أول اصطدام لأنها لم تطور كوابح تتوافق مع المعايير العالمية الجديدة. ما يحدث بالنسبة لأمريكا، كقوة عظمى، يحدث ونحن عنه غافلون فى مجالات كثيرة: مجال الاتصالات والتطبيقات الذكية، تجارب الهندسة الوراثية والاستنساخ والذكاء الاصطناعى…، هذه المجالات تشهد تطورا متسارعا، وبدون تطوير مكابح ترتكز على معايير أخلاقية يضعها علماء اجتماع ومفكرون يكتبون بلا جدوى عن النتائج الكارثية لعلم بلا أخلاق.

(7)

ما ينطبق على الدول المتقدمة ينطبق على دول العالم الثالث، التى تحاول السلطة الحاكمة فيها امتلاك مزيد من القوة والنفوذ دون تطوير كوابح قانونية ملزمة قادرة على تحقيق الثبات فى حال الصدمات غير المتوقعة، النتائج فى كل هذه الأحوال كارثية وتستحق المراجعة مبكرًا.

(مي عزام – المصري اليوم)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*