أخر الأخبار
الرئيسية | أخر الأخبار | المؤرخ إيلان بابيه: خطة ترامب للسلام قائمة على الأساطير الصهيونية !

المؤرخ إيلان بابيه: خطة ترامب للسلام قائمة على الأساطير الصهيونية !

من خلال رؤية تقدمية نقدية لفكرة إسرائيل والصهيونية كرس المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي إيلان بابيه (65 عاما) الكثير من جهده وفكره لتقويض السرديات الإسرائيلية، ومضى أبعد من زملائه من “المؤرخين الجدد” -ممن ظهروا خصوصا في تسعينيات القرن الماضي- في مناهضة الصهيونية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

في كتبه مثل “عشر خرافات عن إسرائيل”، و”التطهير العرقي في فلسطين” أو “فكرة إسرائيل.. تاريخ السلطة والمعرفة” ومقالاته العديدة، فضح بابيه زيف الروايات الإسرائيلية، وعرّى سياسة التطهير العرقي والعنصرية الكامنة في المشروع الصهيوني.

وفي عام 2007 دفعته المقاطعة الأكاديمية والمضايقات والتهديدات المختلفة لمغادرة جامعة حيفا -حيث كان يدرّس في قسم تاريخ الشرق الأوسط- إلى جامعة إكستر البريطانية.

يصف بابيه نفسه بأنه “إسرائيلي مناهض للصهيونية”، وأن “يهوديته هوية ثقافية تاريخية”، ويرى أن المشروع الصهيوني ما هو إلا حركة استيطانية استعمارية دعمها الغرب، ولا بد للفلسطيين أن يتحدوا بمواجهتها.

في هذا الحوار يتحدث بابيه عن خطة السلام الأميركية المعروفة بـ”صفقة القرن”وأهدافها ومآلاتها، وعن ارتباطها بالمشروع الصهيوني وأجندة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب واليمين الإسرائيلي والترتيبات المزمعة بالمنطقة.

كونك مؤرخا، كيف يمكنك وصف خطة السلام الأميركية المعروفة بـ”صفقة القرن” من خلال نظرة تأريخية للمشهد.. التوقيت، الدول المشاركة، الأشخاص والتحالفات، وما هي أهمية هذه الخطة على الساحة السياسية الدولية؟

خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام بالشرق الأوسط هي جزء من محاولة إسرائيلية أميركية لإزالة فلسطين كمشكلة سياسية، يمكن ربط موضوع الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها من تل أبيب بالخطة ذاتها.

هذه الخطوة جاءت بهدف محو الهوية الفلسطينية لمدينة القدس، وأقيمت ورشة البحرين (المعروفة بمؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي) بهدف تجنيد دعم عربي عام لفكرة أن “مشكلة فلسطين هي اقتصادية فقط” وليست سياسية.

كذلك، يأتي إقصاء منظمة التحرير من قبل الولايات المتحدة، ووقف تمويل الأونروا كجزء من الخطوة نفسها.

هل يمكن تفكيك المكاسب من وراء هذه الخطة، وكيف تنعكس على إسرائيل وعلى الدول العربية وعلى الولايات المتحدة؟

من الجانب الإسرائيلي، الإسهام في تمرير قانون القومية من أجل إلغاء هوية “الأقلية” الفلسطينية في إسرائيل، وأعتقد أن هذا يرتبط مع إغلاق السلطات الإسرائيلية الأرشيف الإسرائيلي للبحث بشأن النكبة، وذلك استمرارا لقانون النكبة الذي يعاقب ماديا الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل إذا وصفوا أحداث عام 1948 باعتبارها نكبة في أي مؤسسة عامة.

باختصار، إن ما يجري هو استمرار لنكبة عام 1948 -الصراع من أجل تصفية الهوية الفلسطينية- لكن هذه المرة بأدوات القرن الـ21.

 على خلاف اتفاقية أوسلو التي تبنتها منظمة التحرير، نجد اليوم أن السلطة الفلسطينية تقاوم خطة السلام بشتى الوسائل، ما الذي تغير من أوسلو إلى المنامة؟ ولماذا برأيك يرفض الفلسطينيون هذه المبادرة؟ رأينا أيضا تحركات  شعبية رافضة لمؤتمر المنامة، مع أن جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي يصر على أن الرئيس ترامب لم يتخلّ عن الفلسطينيين، والخطة تقترح حلولا كثيرة لمشاكل الفلسطينيين اليومية، فما الدافع وراء هذا الرفض؟

دعم منظمة التحرير الفلسطينية لأوسلو كانت له أسباب عديدة، أولا: هنالك من ظن أن أوسلو ستأتي بدولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة كمرحلة للتحرر الكامل في المستقبل، وهناك من أبناء الضفة وغزة من قالوا حينها إن الأولوية هي لإنهاء الاحتلال، وربما كان هناك من رأوا أن دولة صغيرة خير من لا شيء.

وعلى الرغم من فشل أوسلو فإنه يبدو لي أن من يسيطر على السلطة الفلسطينية ما زال مؤمنا بحل الدولتين للأسباب ذاتها التي دفعت منظمة التحرير إلى دعم أوسلو، وبالطبع لا يمكن تجاهل أهمية الإحساس بالسلطة أو التمكن من الحكم، حتى لو كان أحيانا حكما متخيلا، هذا الإحساس ينتج دافعا للحفاظ عليه، ربما لأنك تؤمن بأنك من خلاله تجلب المصالح للشعب، أو ربما لأن ذلك يجلب لك منفعة شخصية وربما لكلا الأمرين معا.

خطة السلام الأميركية هذه ترى وبشكل واضح أن وجود السلطة الفلسطينية عائق في حد ذاته، وتريد أن يتسلم إدارة الضفة والقطاع مجموعة من رجال الأعمال يديرون الأمور كمشروع اقتصادي لا سياسي لذلك، السلطة الفلسطينية -وبحق- تحارب من أجل بقائها، فلا يوجد لها مكان في رؤية ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

أزاحت أوسلو الفلسطينيين داخل الخط الأخضر من الشأن الفلسطيني الرسمي، واعتُبروا -وفق أوسلو- شأنا إسرائيليا داخليا، فكيف ترى مصير الفلسطينيين داخل الخط الأخضر بعد خطة السلام الأميركية؟

خطة ترامب تدق المسمار الأخير في نعش حل الدولتين، وتفتح الباب لحركة التحرر الفلسطينية أينما كانت لإعادة تعريف مفهوم التحرر من الاحتلال، وإذا فُتح هذا النقاش من جديد فسيكون للفلسطينيين داخل الخط الأخضر دور مهم في هذا التعريف.

وليس من قبيل الصدفة أن مبادرات تجرى لإقامة دولة واحدة بدعم من مواطنين يهود كذلك داخل الخط الأخضر، وفي كل مراحل التاريخ الفلسطيني كانت تبرز مجموعات معينة لتصبح الأكثر نشاطا في تحديد الطريق وتعريف المستقبل، وربما حان الوقت لفلسطينيي الداخل لأن يكونوا هذه الطليعة.

 كنت دائما تقول إن التحالف الصهيوني والإنجيلي استطاع تجاوز الخلافات الدينية واجتمعا على مصلحة واحدة، فكيف ترى المعادلة الآن في ظل هذه الخطة؟ وكيف تفسر الوجه الديني لهذه العملية المشتركة؟
الصهيونية في أساسها كانت فكرة إنجيلية قبل أن تكون مشروعا صهيونيا، هؤلاء المسيحيون آمنوا ويؤمنون اليوم كذلك بأن عودة اليهود إلى فلسطين تعني نزول المسيح عيسى عليه السلام من جديد وإحياء الموتى ونهاية الزمان (القيامة)، هذا نهج معادٍ لليهودية لأن على اليهود أن يتنصروا.

تجاهل نتنياهو منذ عام 1992 الجانب المعادي للسامية لدى هذه المجموعات وكونه سفيرا لإسرائيل في الأمم المتحدة قاد إسرائيل إلى تحالف مع تلك المجموعات المسيحية، وتشكل هذه المجموعات الآن أساس قوة ترامب ونتنياهو في الولايات المتحدة الأميركية، المبادرة في نظرهم من ناحية دينية تظهر دعما غير محدود لإسرائيل، وهذا ما يهمهم.

من خلال ما طرح أو تسرب منها إلى حد الآن، بماذا تختلف خطة السلام الأميركية عن كل ما سبق من مبادرات وأطروحات؟

أولا وقبل كل شيء: هذه المبادرة لا تقيم وزنا للقانون الدولي وتتجاهله، على الأقل في المبادرات السابقة تحدثوا عن الحق الفلسطيني في التعريف الذاتي وفي دولة خاصة بهم، حتى لو لم تكن هناك نية للسماح بذلك بصورة كاملة أو كافية. ثانيا: كل المبادرات السابقة أسست على حل سياسي كطريق أوحد لإنهاء الصراع.

هذه المبادرة تشبه قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 بشيء واحد، وهو أن الفلسطينيين يعارضون المقترح، لكنهم مع ذلك مستمرون في الحديث وكأنه لا توجد أهمية لهذه المبادرة وكأنها لا تمس حياتهم ومستقبلهم، ولذلك هي ذات خطورة كبيرة، فمبادرة كهذه في عام 1947 أدت إلى النكبة، وأرجو أن يتفطن الفلسطينيون لمنع الكارثة المقبلة.

 بالنظر إلى ما يحصل في المنطقة حاليا، هل هناك علاقة بين خطة السلام الأميركية وخفض التوتر في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران؟

التوتر بين الولايات المتحدة وإيران متعلق بمحاولة أميركية لبناء محور من الأنظمة العربية مستعد لإزالة القضية الفلسطينية من جدول الأعمال الإقليمي مقابل الحصول على الدعم الأميركي.

يعتقد الأميركيون أن إيران هي من العقبات الأساسية، وذلك لأن طهران تضع القضية الفلسطينية في مركز سياساتها الخارجية، وكذلك فإنها تدعم النضال الفلسطيني في قطاع غزة ضد الحصار، وهي مع تحرير فلسطين.

وبالتالي فإن الرؤية الأميركية هي إسقاط النظام في إيران، وإزالة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية من جدول الأعمال، وعالم عربي يستمر في تزويد الولايات المتحدة بالنفط، ويستمر في شراء الأسلحة منها، ويقبل بإسرائيل الكبرى من غير نقاش.

الخطة تختصر القضية الفلسطينية في الفلسطينيين الموجودين بالضفة الغربية وقطاع غزة، هل تجاهل مسألة اللاجئين يعني تصفية حق العودة؟

هذا غير مفاجئ أبدا أن تتجاهل مسألة اللاجئين، وللحقيقة فإنه حتى المبادرات السابقة تجاهلت اللاجئين، وكان واضحا أنه لا يمكن حل قضية اللاجئين داخل حل الدولتين على أساس حق العودة.

السؤال التالي قد يعنيك بشكل خاص، ما هو مصير فكرة حل الدولة الواحدة في ظل هذه التحالفات وخطة السلام الأميركية المطروحة؟ هل تعتبر هذه المساعي ترسيخا لفكرة حل الدولتين، أم أنها تنهي فعليا أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في حدود 1967؟

سألخص الفكرة مرة أخرى.. خطةترامب تصفي نهائيا فكرة حل الدولتين، وبالتالي يجب علينا التفكير في حل بديل، ليست هناك حاجة لاختراع عجلة، لأن الفكرة البديلة موجودة هنا، دولة ديمقراطية لكل من يقطن في فلسطين التاريخية، ويمنح حق العودة لكل من طرد منها.

وبما أنه لن يكون مسار سلام في فترة ترامب فإن هذا الوقت هو لبناء دعم من الأسفل لفكرة الدولة الواحدة من خلال إقناع القيادة الفلسطينية الحالية أينما كانت، على أمل أن تتحد على هذه الفكرة، وإذا لزم الأمر إقامة حركة جديدة تنشر الفكرة، وتعمل لقبول الفكرة كموقف رسمي وتوافقي للقيادة الفلسطينية الحالية وكل من يضاف إليها من الجيل الشاب الذي يعمل منذ سنوات عديدة من أجل إشراكه في اتخاذ القرارات المؤثرة على كل الفلسطينيين أينما كانوا.

أنا على قناعة تامة في أن هذا الموقف سيؤدي إلى زيادة الدعم في كل أنحاء العالم، وحتى داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل تجاه فكرة حل الدولة الواحدة، وفي الشهر الأخير أطلقنا مبادرة كهذه في حيفا، ونعمل مع أصدقائنا في الوطن والشتات على توسيع المبادرة لنقاش جديد على الدولة الواحدة ولبناء حركة شعبية لنشر الفكرة (المبادرة تدعى “مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة”).

 ما هي إمكانيات وحدود الرفض والمقاومة الفلسطينية لخطة السلام الأميركية؟

عدم المشاركة في المبادرة هي الخطوة الأولى الصحيحة، والخطوة الثانية هي توحيد الموقف، من غير وحدة فلسطينية سوف تستمر الجهود لمحو فلسطين، وبالطبع مفهوم “الصمود” من كل جوانبه يشمل النضال ضد الاحتلال والتمييز والحصار، وبهذا نضمن أن هذا المشروع الأميركي لن ينجح.

أظن كذلك أن حملة المقاطعة (بي دي أس) مهمة جدا، لأنها تظهر الواقع في أن المجتمع المدني -بما في ذلك داخل الولايات المتحدة- لا يقبل مبادرة ترامب، وتطالب بتشكيل ضغط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال والحصار والإقصاء داخل إسرائيل، ولإتاحة الفرصة لعودة اللاجئين، هذا الجهد من شأنه إلحاق الهزيمة بهذه المبادرة الخطيرة.

قامت إسرائيل على خرافات معينة أطلقت عليها في كتاب لك “عشر خرافات عن إسرائيل”، وبعد ذلك قامت على إثر “تطهير عرقي في فلسطين”، وهو عنوان لأشهر كتبك، وعلى المنوال نفسه: كيف يمكن وصف خطة السلام الأميركية بالنسبة للمشروع الصهيوني؟

في الواقع، تستند هذه المبادرة إلى الأساطير الصهيونية التي تنكر وجود الفلسطينيين كشعب أصلي وحقيقة أن الحركة الصهيونية هي حركة استعمارية استيطانية، وفي عام 1948 كانت طريقة تحويل هذه الخرافات إلى حقيقة هي عن طريق التطهير العرقي.

ويتم ذلك اليوم من خلال مؤتمرات تقام في البحرين تنكر وجود الفلسطينيين، وإغلاق أرشيف النكبة والإضرار بشخصيات ومؤسسات ثقافية فلسطينية، إلى جانب استمرار سياسة التطهير العرقي بشكل يومي في النقب والجليل والضفة الغربية، وسياسة “جينوسايد” (إبادة جماعية) في قطاع غزة.

لذلك يجب علينا أن نعلم جوهر الأيديولوجية التي تسمح بمثل هذه الأفعال، وأن نوضح أنه لصالح اليهود الذين يعيشون في إسرائيل وفي جميع أنحاء العالم إقامة دولة لجميع مواطنيها وليس دولة يهودية عنصرية، دولة كتلك فقط ستضمن العدالة والسلام للجميع.

(الجزيرة نت)

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*